الاثنين، 10 نوفمبر 2008

مصر بين دعاوي العروبة والفرعونية



يختلف كثيرا من المثقفين اليوم حول هوية مصر المعاصرة وحول الأصول العرقية للمصريين وطرح الأمر للنقاش علنا وفتح الباب علي مصراعية لكل غير متخصص للبت في هذا الموضوع فكانت النتيجة أن وضعت كثيرا من الإفتراضات والأراء الشخصية التي تفتقر للموضوعية والتدقيق التاريخي والأدهي من ذلك أن الدين دخل طرفا علي الخط فتحزب كل فريقا لدينه وغابت الموضوعية العلمية وحل التعصب محلها..!! فكثيرا من المصريين المسيحيين- ولا أسميهم أقباطا لأسبابا سأذكرها تباعا- يصرون علي أن مصر قبطية قلبا وقالبا ولو أنها تعربت لسانا وهذا رأيا يذهب إليه كاتب هذه السطور ويستحسنه ولكن عندما تبدأ في الاستطراد في الحديث معهم حول مفهوم القبطية تصاب بخيبة الأمل حيث تراه مفهوما ضيقا يكاد يقتصر علي مسيحيين مصر دون غيرهم بل تجده يزداد ضيقا فيضم فقط المسيحيين المصريين الذين ينتمون إلي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. كما إن إخواننا المسيحيين يصرون علي أن تعريب مصر تم من خلال الأرهاب والقهر الذي مورس ضد المصريين مسلميهم ومسيحييهم وذلك في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الفاطمي ( 996–1021) وذلك بما يعرف بقطع الألسن وللأسف تجد كثيرا من مثقفي المسيحيين المصريين يروجون لهذه النظرية الضحلة التي تسقط أمام الأدلة التاريخية. وعلي الطرف الأخر نري أن المسلمين المصريين يضعون أنفسهم في موقف دفاعي يتسم بالحمق والتحيز هو الآخر, فتجد أحد المسلمين المتحمسين يرد علي إنتقادات المسيحيين الموجهة إليه بقوله ""مش تحمدو ربنا ده أحنا جينا أنقذناكم من الرومان اللي كان مضطهدينكم"" فهذا الشاب الساذج قليل الإطلاع والعلم وضع نفسه موضع جيش عمرو بن العاص الغازي ووضع المسيحي في موقف صاحب البلد الأصيل الذي أحتلت أرضه وبذلك يكون المسيحي قد أخذ من المسلم اعترافا بأحقيته بأرض مصر دون أن يدري.. فإذا ما اشد النقاش يتهم المسيحي المسلم بأن المسلمين هضموا أقباط مصر بكثرة تناسلهم فصاروا الإغلبية,فيرد عليه المسلم الساذج مرة آخري ""يا عم خمس تلاف عسكري إزاي يخلفو 70 مليون مسلم"" ومرة آخري يكسب المسيحي نقطة ثمينة بأخذه اعترافا صريحا من المسلم بأن كل مسلمي مصر ينحدرون من سلالة جيش عمر بن العاص. نكتفي بهذا القدر من نقاش المسلم مع المسيحي حول أحقية الوطن, وكما نري هذه المناقشة تتسم بالسطحية وإنعدام الثقافة ودخل التعصب الديني فيها طرفا أوحد بحيث أصبحت المناقشة الإسلام في مواجهة المسيحية.فالمسيحيون هم الأقباط أصحاب الأرض بينما المسلمون هم الغزاة المحتلين!!! ولنعد إلي موضوع المقالة الرئيسي وهو هل مصر فرعونية أم عربية؟؟ حقيقة الأمر أن مصطلح فرعونية هو مصطلح سخيف وغير علمي حيث أن كلمة فرعوني تقتصر علي الطبقة الحاكمة في مصر القديمة ولا يجوز تعميمها علي الشعب المصري بطبقاته المختلفة لكني لم أجد مصطلحا آخر بديلا عنه. فنحن إذا نقصد بمصطلح فرعونية أن الشعب المصري المعاصر هو استمرارا للشعب المصري الذي عاش في العصور القديمة بدءا من مرحلة الأسرات مرور بالعهد الأغريقي الروماني حتي اللحظة الحالية.. ومحك الإستمرارية هنا هو الأصل الإثني العرقي واللغة, بينما علي الطرف الآخر نقصد بمصطلح العروبة أن مصر جزءا من الأمة المتحدثة بالعربية وذات دور محوري فيها وقد مكنتها اللغة العربية من الإحتفاظ بقدرا من القوي الناعمة علي الدول العربية المجاورة لها وأعطت لها دور الشقيقة الكبري. فإذا ما تناولنا المصطلح الأول نجد أن مصر وإن أحتفظت بقدرا كبيرا من أصلها العرقي بشهادة علماء الآثار والخبراء حيث أكدت كثير من الدراسات التي أجريت علي المومياوات القديمة والتي تمت مقارنة عيناتها بعينات مصريين من الوجه القبلي والوجه البحري بأن الحمض النووي للمصريين القدماء يتشابه إلي درجة كبيرة جدا مع المصريين المعاصريين (1) ,بل ولم تظهر فروقا تذكر بين المسلمين والمسيحيين. إذا نتائج المعامل تؤكد أن الشعب المصري بأغلبيته مسلميه ومسيحيه ينتمي للأمة المصرية القديمة. ولا أكترث كثيرا بأثر الهجرات العربية علي تغيير نسيج مصر العرقي فهذه الهجرات مهما كان حجمها لا تستطيع أبدا أن تماثل عدد المصريين فضلا عن أن تفوقهم عددا فمنطقة مثل الجزيرة العربية تتسم بالفقر والطبيعة القاسية لا تسمح أبدا بنشوء مجتمعات كبيرة فأغلب الظن أن عدد سكان مصر قبل الفتح في القرن السابع الميلادي كان يفوق عدد سكان الجزيرة العربية بأكملها. هذا عن الجانب الإثني العرقي أما علي الجانب الأخر وهو الجانب اللغوي والذي لم يتسير له البقاء والاستمرارية فقد كثر الكلام حوله حتي وصل إلي حد الجدل البيزنطي الذي لا يستند إلي دليل علمي, فمن يقول أن مصر هجرت القبطية ونطقت العربية بسيف الخليفة الحاكم هو شخص متعصب لا يقرأ التاريخ مطلقا,فقد زعم بعضهم أن الخليفة كان يدس حرسه ليلا علي بيوت المصريين فمن سمع يتحدث العربية قطع لسانه علي الفور,ولو صحت هذه الفرضيه فنحن أمام رأيان: الأول:أن الجيش الفاطمي قد بلغ عدد لم تبلغه أي دولة علي مدار التاريخ حيث تجاوزه عدده ال6 مليون جندي وذلك للتجسس علي كل مصري وقتئذا. الرأي الثاني:أن الحاكم كان يخاوي الجن لتخبره من يتحدث بالقبطية أو أنه ربما استعان بخبرة محاربي اسبرطة القدماء.!!!! والدليل علي سخف تلك الفرضية أن كل السياسات الحمقاء والمتناقضة التي ارتكبها الحاكم -والتي تدل علي أن هذا الرجل كان مصاب بمرض بالفصام علي الأرجح- لم تكن منهجية بمعني أن الخلفاء الذين تعاقبوا علي الحكم بعده اتخذوا سياسات آخري مخالفة لسياساته,فتم إعادة بناء كنيسة القيامة -والتي كان قد هدمها الحاكم دون مبرر- في عهد خلفه الظاهر وألغيت كثير من الإجراءات التعسفية والإجرامية التي انتهجها الحاكم. فالحاكم كان حالة شاذة لا يجوز تعميمها علي تاريخ مصر الإسلامية, وسياسة قطع الألسن كانت وقتية إنتهت بوفاته وأقتصرت علي أماكن التجمع بالأسواق وليس علي كل فرد كما يحلو للبعض. أما سبب تعريب مصر فيرجع كما تقول الدكتورة سيدة إسماعيل الكاشف إلي نزول القبائل العربية بريف مصر وممارستها للزراعة وما ترتب علي ذلك من الإحتكاك بالمصريين ومن ثم مصاهرتهم,كما يرجع أيضا إلي رغبة بعض الأقباط في التقرب من النخبة العربية الحاكمة خصوصا أن العربية هي اللغة الرسمية لدولة الخلافة.فأعتنق الكثير منهم الإسلام لأسباب شخصية ترجع إلي الإقتناع أو رغبة في تحسين وضعهم الإجتماعي (2) , بل والأدهي أن كثيرا من المسلمين الجدد قد إنتحلوا لأنفسهم نسبا عربيا بحيث أصبح شراء الأنساب العربية في مصر بين المسلمين الجدد أمر شائعا.!! (3) يرد علي هنا أحد الأشخاص قائلا ""هذا ليس سببا وجيها فالرومان والإغريق وحتي الأتراك العثمانيون قد حكموا مصر قرونا طويلا دون أن ينالوا من لغتها المصرية !! "".. فأقول ""إن هذا غير صحيح فكل مستعمر من هؤلاء السابق ذكرهم قد ترك أثرا بالغا علي مصر ولغتها,فقد نتج عن الحكم الإغريقي الطويل حدوث تحوير كبير في اللغة المصرية القديمة بحيث اختلفت بشكلا كبير عن اللغة الديموقيطية فاستبدلت الإشارات الهيروغليفية بالأبجدية الإغريقية ودخلت كثير من المصطلحات الإغريقية في صميم اللغة المصرية وبذلك نشأت اللغة القبطية.كما أن المستعمرين الإغريق لم يختلطوا بالشعب المصري إلا في أضيق الحدود وعاشوا في مدنهم التي أتسمت بالطابع الإغريقي الطابع (4) ورغم ذلك فرضوا لغتهم وتطلب العمل بوظائف الدولة التحدث باللغة اليونانية"".
وقد يسألني شخصا آخر لماذا لم تتعرب إيران وتركيا كما تعربت مصر؟؟ فأجيبه بأن لكل من الدوليتين السالف ذكرهما ظروفهما الخاصة التي تختلف عن مصر.فإيران لبثت تحت حكم الخلافة العربية الإسلامية قرابة المائتي سنة ثم استقلت وحكمتها أسر مستقلة عن مركز الخلافة وأصبحت الفارسية لغة البلاط كما أن القبائل العربية المهاجرة من الجزيرة العربية فضلت أن تولي وجهها شطر مصر والشام والعراق ولم تفضل استيطان بلاد الفرس وهذا عامل آخر أسهم في عدم تعريب إيران,أما بالنسبة للمثال التركي فلن أخوض فيه نظرا لأن لتركيا وضع خاص حيث أن فتحها تم علي اليد السلاجقة والعثمانيون وكلهم أتراك ينتمون إلي قبائل الأوغوز القادمة من آسيا الوسطي فلا علاقة لها بالعرب من قريب أو بعيد.
إذا فعروبة مصر هي عروبة ثقافية ولغوية وليست عروبة عرقية فالمصري المتحدث بالعربية ليس بالضرورة من أحفاد العرب الوافدين علي مصر,كما أن المسيحي المصري ليس بالضرورة من أحفاد نارمر وحورمحب..كلنا في النهاية مصريين بطريقة ما إن لم يكن من جهة الأب فمن جهة الأم , وفي رأيي فإن من يحاول إعادة إحياء اللغة القبطية ووضعها بديلا عن العربية هو شخص يحاول القضاء علي دور مصر وريادتها في المنطقة,فمصر المتحدثة بالعربية ذات دور قيادي أعطته لها اللغة العربية فيكفي أن الأدب العربي الذي كتب بإيد مصرية لا تكاد تخلوا منه أي مكتبة جامعية في أي عاصمة عربية,كما لا ننسي دور الأفلام والإغاني المصرية في تدعيم دور مصر بين الدول العربية المختلفة فلو قدر للدول العربية أن تختار لهجة عربية رسمية لاختاروا علي الفور اللهجة المصرية. فمن العبث أن يتم وضع اللهجة المصرية خصما لهويتنا وعرقيتنا المصرية لان اللهجة المصرية هي لغة مصرية خالصة تحوي مفردات وتعبيرات لا وجود لها في الفصحي كما أنها تنتمي للموروث الثقافي اللغوي للشعب المصري. فلو قارنا مصر مثلا بفرنسا ستكون المقارنة ظالمة لصالح مصر, ففرنسا كما ذكرت في مقالة سابقة (5) لم تحتفظ بلغتها ولا إسمها ولا شعبها,كذلك إنجلترا التي تغيرت لغتها بعد الغزو النورماني لها
سنة 1066. حتي إيطاليا صاحبة المجد التالد ومقر الدولة الرومانية الشامخة فقدت مجدها ووحدتها بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 467م,فقدت بذلك وحدتها السياسية لقرابة 1400 سنة عبارة عن إمارات متنازعة وبابوية مقرها روما تحول دون أي إتحاد لشبة الجزيرة والأمثلة كثيرة علي أمم تغيرت ألسنتها علي مر العصور خلاصة القول كلنا مصريين (قبط) تختلف ديانتنا وتتفق أصولنا ويظهر ذلك الأتحاد واضحا في عروبتنا الثقافية فلو كنا مختلفين عرقيا غزاة وأصليين لتحزب كل فريقا بلغته وصار حالنا كالعراق كردا وعربا وكلدانيون.

الهوامش

(1) http://en.wikipedia.org/wiki/Egyptians
2- راجع كتاب تاريخ مصر الإسلامية, عبد العزيز بن مروان لدكتورة سيدة الكاشف.
3- ذكر هذا مؤرخنا الكبير الأستاذ محمد عبد الله عنان في كتابه مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام.
4- أطلق علي الأسكندرية في العهد اليوناني الروماني إسم الأسكندرية الملحقة بمصر تمييزا لها عن باقي مدن مصر نظرا لقوة النفوذ الروماني بها حيث كان ألاغلبية الساحقة من قاطنيها من الرومان والإغريق.
5- إقرا مقالتي "إشكالية العلاقة بين العرب والأمازيغ""
http://of-egypt.blogspot.com/2008/08/blog-post_7932.html .

ليست هناك تعليقات: