الأحد، 9 نوفمبر 2008

معركة عين جالوت -تكون أو لا تكون- الجزء الثاني


" لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها فأنا أقدم إليه رجلًا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عله أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا "" ( المؤرخ أسد الدين بن الآثير).

تعرضت الصين كما ذكرنا في المقالة السابقة لغزوات المغول وعلي رأسهم خانهم الجديد تيموجين وقد أحذثت تلك الغزوات دمارا شاسعا في المدن الصينية وارتكبت فيها مذابح تقشعر منها الأبدان. وعلي الرغم من تلك النكبة الشديدة التي تعرضت لها الصين أهلها فأنها لا تقارن بأي حالا من الأحوال بما تعرضت له ديار المسلمين من دمار وتخريب وقتل علي أيدي المغول .والتي تمثلت في غزو جنكيزخان وابنه أوجداي للإمبراطورية الخوارزمية ما بين سنة 1220-1231, وحملة هولاكو علي العراق والشام (1256-1260). ولكن قبل أن نتحدث عن تلك الحملات ونتائجها يجب أن نتحدث عن ظروف نشأة الدولة الخوارزمية وأحوال الدول الإسلامية وقتها

العالم الإسلامي ما بين القرن التاسع والثاني عشر الميلادي
بدأت عوامل الضعف تدب في كيان الدولة العباسية منذ أواسط القرن التاسع م,ولم يكن ذلك الضعف ناتجا عن أخطار خارجية أو فتن داخلية بل كان جله بسبب أعتماد الخلفاء العباسيين سياسات خاطئة أدت إلي نتائج كارثية فيما بعد,ففي عهد الخليفة المعتصم بالله بن الرشيد تم تسريح العرب والفرس من جيوش الخلافة وإسقاطهم من ديوان الجند وأحل محلهم المرتزقة الأتراك القادمين من آسيا الوسطي وقد كان لهذا القرار انعكاسات خطيرة علي مصير الدولة بأكملها فهؤلاء الأتراك غرباء عن كيان الخلافة حديثو العهد بالإسلام لا يدينون الإ للخليفة الذي يدفع لهم أرزاقهم وأجورهم فإن دفع الخليفة لهم بقوا علي الطاعة وإن عجز قاموا بخلعه وولوا عباسيا آخر مكانه عساه يدفع لهم ,وكان المعتصم قوي الشكيمة مرهوب الجانب من خصومه وحلفاءه وكانت الدولة بعد بعافية وكانت قوة شخصيته تحول دون تحقيق أطماعهم وتهورهم لذا سكنوا طول خلافته وبوصول المتوكل للخلافة سنة(847 م) انكشف وجههم الحقيقي وزادت مطالبهم وقد حاول المتوكل وقف جماحهم ونجح نجاحا نسبيا في ذلك إلا إنه أغتيل في النهاية علي يدهم وبأمر ولده المنتصر,وبوفاة المتوكل تتنهي فترة سيطرة الخلفاء علي الدولة وتبدأ فترة سيطرة الغلمان علي الخلفاء حيث أصبح الخلفاء لعبة في يد الأتراك وقد حاول الخلفاء الثلاثة اللاحقين علي المنتصر (المعتز,المستعين,المهتدي) إرضاء بعض زعماء الترك بتوليتهم الأقاليم الكبري في الدولة,لكن مرة آخري لم تفلح تلك المحاولة فهؤلاء الذين ولووا علي الأقاليم قاموا بالإستقلال عن الدولة مستغلين ضعف مركز الخلافة في بغداد وإنشغال الجيش العباسي بتحصيل أجوره,وبنهاية القرن العاشر الميلادي فقدت الدولة العباسية كل أقاليمها في الشام ومصر والمغرب الأدني وخراسان والحجاز,بل والأدهي أن الخليفة لم يعد يملك من نفسه شيئا بعد استبداد البويهيون بالحكم في العراق وفارس حيث حجروا علي الخليفة وألزموه الإقامة في قصره ومنعوه من الإجتماع بالناس فضربت الذلة علي خلفاء بني العباس وسقطت هيبتهم بين الناس حتي هجاهم الشعراء.
أدت سياسة تتريك الجيش العباسي كما ذكرنا إلي إضمحلال الخلافة العباسية كما أدي الصراع الذي نشب بينهم وبين الخلفاء إلي تدهور الوضع الأمني بالخلافة وترتب علي ذلك ضعف الحاميات الإسلامية في الثغورالإسلامية مما نتج عنه تهديد الروم للشام وأعالي الفرات,في الربع الأول من القرن الحادي عشر الميلادي ظهر السلاجقة الأتراك علي مسرح الأحداث وينتمي السلاجقة إلي قبائل الأوغوز التركية والتي عاشت في إقليم التركستان منذ قرون عديدة قبل الميلاد وقد اعتنقوا الإسلام وتمذهبوا بالمذهب الحنفي وبدأوا في الزحف نحو المقاطعات الإسلامية في إقليم ما وراء النهر,واستطاعوا بعد معارك كثيرة أن يشقوا طريقهم نحو أملاك الدولة الغزنوية في خراسان حيث ملكوا الإقليم بأكمله إتجه بعدها السلطان طغرلبك إلي إقليم فارس حيث دولة آل بويه المتداعية حيث استولي علي إقليم خراسان ولم يتبق في حوزة البويهيين غير العراق, وفي سنة 1055 دحل طغرلبك بغداد حيث استقبله الخليفة العباسي المقتفي وأقره علي ما في يده في البلاد وأطلق يده في أي حروب مستقبلية ضد الفاطميين,واستمرت قوة السلاجقة في صعود مستمر خاصة بعد أن دانت لهم خراسان وفارس وما وراء النهر والعراق فتشكلت بذلك أول إمبراطورية إسلامية متحدة منذ أواخر القرن التاسع, فولوا وجوههم شطر الدولة البيزنطية وأنتزعوا منها أرمينيا في عهد ألب أرسلان -خليفة طغرلبك- وأغلب الأناضول وفشلت محاولة البيزنطيون الأخيرة في وقف زحف السلاجقة نحو أراضيهم في آسيا الصغري بعد هزيمة الإمبراطور رومانوس الرابع في معركة ملازكرد سنة 1071 م ونتج عن تلك الهزيمة استقرار السلاجقة بآسيا الصغري وتأسيسهم سلطنة الروم السلجوقية والتي نجحت بعد صراع طويل في القضاء علي الوجود المسيحي البيزنطي في الأناضول.




خلف ألب أرسلان علي العرش ولده ملك شاه وبالرغم من قوته وبأسه إلا إن معالم التفكك بدت واضحة علي الدولة وبدأ الصراع علي الحكم يدب في أركان البيت السلجوقي وبوفاة ألب أرسلان سنة 1092 م بدأت الإمبراطورية السلجوقية الكبري في التفكك فقامت دولة لبني سليمان بن قطلمش في الاناضول ودولة آخري في العراق وفارس عاصمتها همدان وهكذا تفككت الدولة إلي دويلات مستقلة سعت كل دويلة إلي التوسع علي حساب الآخري,وقد كان من حسن طالع الصليبيون أنهم قدموا إلي الشرق في وقت تمزقت فيها الدولة السلجوقية إلي دويلات كما دب الضعف أيضا في الدولة الفاطمية سيدة مصر والشام,فعجزت جيوش قلج أرسلان سلطان سلاجقة الروم في وقف الزحف الصليبي كما عجزت جيوش المستعلي الفاطمي في حماية الشام والدفاع عن بيت المقدس,فكانت المحصلة النهائية هي إستيلاء الفرنجه علي فلسطين وتأسيسهم لمملكة القدس الصليبية اللاتينية سنة 1101, ولم تفلح استغاثة أهالي القدس ولا نداءت خليفة بغداد في حث سلاجقة العارق وفارس علي تحرير الأراضي المقدسة,فقد كان الصراع علي إرث التركة السلجوقية أهم بكثير من الجهاد ضد الفرنجة فكان ذلك سببا في استقرار الصليبيون بفلسطين والساحل السوري.
أدت الحروب السلجوقية السلجوقية إلي صعود قادة طموحين من خارج البيت السلجوقي سعوا إلي إقامة حكومات مستقلة عن الدويلات السلجوقية المتنازعة فيما بينها, من بين هؤلاء كان محمد بن آنوشتكين مؤسس الدولة الخوارزمية.

الدولة الخوارزمية من الصعود إلي السقوط (1/2)
يعتبر قطب الدين محمد بن آنوشتكين بحق هو مؤسس الدولة الخوارزمية فقد أتسم بالشجاعة والعلم مما جعل السلطان السلجوقي بركياروق يعينه علي إقليم خوارزم ولقبه خوارزم شاه,وكانت البداية الحقيقية لحقبة توسع الدولة كانت في عهد خلفه أتسز والذي استغل ضعف الدولة السلجوقية وتفككها فقام بالإستيلاء علي إقليم ما وراء النهر بأكمله من أيدي سنجر سلطان سلاجقة خراسان وفارس واستمرت الحرب سجالا بينهما فتارة يسيطر أتسز علي بعض قواعد خراسان وتارة يعيد سنجر عليه الكرة فيستردها حتي وفاة الزعيمين في سنة 1158م.
وبوفاة السلطان أحمد سنجر تنتهي صفحة آخر السلاطين السلاجقة الذين تمتعوا بقدرا من القوة حيث لم يستطيع خلفه محمودي ملأ فراغ والده فضعفت قبضة السلاجقة علي خراسان فتيسر علي آيل آرسلان بن أتسز أن ينتزع منهم نيشابور قاعد خراسان وغيرها من المدن وأصبح آيل آرسلان بذلك أول سلاطين الخوارزميين المستقلين عن تبعية السلاجقة وتوفي آيل سنة 1172 ودب النزاع بين ولديه علاء الدين تكش وسلطان شاه إلا أن الأول نجح في حسم الأمر في صالحه بمساعدة دولة الخطا المجاورة. أتسم عهد تكش الطويل بتوسع الدولة ففي سنة 1194 قتل طغرل الثالث آخر سلاطين السلاجقة بهمدان وبوفاته استولي الخوارزميون علي الري وهمدان وأصفهان وبذلك دان له إقليم فارس بأكمله,كما استولي في سنة 1197 علي مدينة بخاري المنيعة من الخطا,وقد واصل خلفه محمد بن تكش نهج أيه وجده في توسيع الدولة فأشتبك مع الغوريين وطردهم من خراسن وفاارس وأتنزع منهم إقليم مازندان وفي سنة 1214 استولي علاء الدين محمد علي إقليم مكران المطل علي المحيط الهندي مشددا بذلك بذلك الخناق علي مدينة غزني عاصمة الغوريين التي استولي عليها سنة 1215.

حاول علاء الدين محمد أن يخضع الخلافة العباسية لسلطانه فأرسل عدة رسائل استفزازية إلي الخليفة العباسي الناصر يأمره بأن يذكره في الخطبة وأن يسك النقود بأسمه وأن يكون الحال كما كان عليه زمن السلاجقة أن أن يبقي الخليفة دون سلطان ويلزم قصره دون التدخل في شئون الدولة,رفض الخليفة تلك الإهانة وأغلظ الرد لعلاء الدين فسار الأخير لتأديب الخليفة وإخضاعه سنة 1217 إلا أن الطقس السئ والرياح الثلجية حالت دون ذلك خصوصا بعد أن فتكت العواصف والأوبئة بجيش علاء الدين واضطرته إلي العودة لبلاده



ليست هناك تعليقات: