
ساءني كثيرا ما رأيت في المريوطية حيث رأيت جريمة بل قل مجزرة ترتكب في حق ثروتنا الزراعية !!! عشرات الأفدنة الخصبة تم تجريفها وتكدست التربة الخصبة في أتلال عالية في منظر مؤثر يجعلك تتحسر علي ما وصل إليه الحال في الجمهورية من تسيب وقرارات عشوائية تفتقر للتخطيط من جانب مسؤلين الله وحده يعلم الظروف التي تم وضعهم فيها علي كراسي السلطة, فتجريف أراضي المريوطية وإدخالها في نطاق ما يسمي كردون المباني هو جريمة ليست فقط في حق الأرض الزراعية بل هي خيانة للوطن..!! نعم خيانة للوطن فالشخص الذي يجرف أراض خصبة تقع بالقرب من النيل ثم يتحدث بعد ذلك عن استصلاح الصحراء الجرداء هو شخصا أحمق.
إن قضية تجريف أراضي المريوطية هي أحد حلقات مسلسل تجريف أراض القاهرة والجيزة والذي بدأ في الخمسينات ومازال مستمرا حتي الأن,فحتي أوائل الخمسينات كانت القاهرة بعد محتفظة بالكثير من نشاطها الزراعي المتمثل في ضواحيها وبعض القري المحيطة بها,مثل البساتين ,حدائق المعادي ودار السلام وحدائق الزيتون وغيرها من المناطق الخصبة الخضراء والتي تقع جميعا علي النيل مباشرة, إلا أن قرار قيادة ثورة 23 يوليو المتمثلة في الرئيس جمال عبد الناصر بتحويل نشاط ضواحي القاهرة من النشاط الزراعي إلي النشاط الصناعي وذلك بإنشاء مصانع الحديد والصلب بحلوان كان ذلك إيذانا بتعدي الأهالي -وبتساهل من الدولة- علي الأرض الزراعية خصوصا بعد قانون الإصلاح الزراعي والذي سمح للفلاحين بإمتلاك الأراضي الزراعية التي صادرتها الدولة من الإقطاعيين,حيث قام كثير من الفلاحين ببيع أراضيهم وشدوا الرحال إلي القاهرة بحثا عن فرص عمل في المصانع المشيدة حديثا بالقاهرة وبمرور الوقت والسنين ازدات هجرة أهل الريف إلي القاهرة ولما ضاقت القاهرة بأبناءها فضلا عن الوافدين عليها من الريف فقد استقر الوافدون الجدد بضواحي القاهرة واستولي بعضهم علي كثير من الأراضي الزراعية وقاموا بتجريفها والبناء عليها وساعدهم علي ذلك إنشغال النظام المصري بالإعداد لحرب الاستنزاف ضد إسرائيل وقد اتسمت تلك الفترة بالإهمال الإداري في كثير من الأحيان وتعتبر البداية الحقيقية لمساكن العشوائيات والتي بدأت بتعدي القادميون من الريف علي الأراضي الزراعية بضواحي القاهرة كما ذكرنا.
واستمر الوضع سوءا في عهد الرئيس السادات نتيجية ازدحام القاهرة بأهلها وفشل الدولة في إيجاد حل لمشكلة الإسكان من ناحية وارتفاع سعر الأراضي الزراعية الواقعة بالقرب من النيل في القاهرة حيث تساهلت الدولة ببلاهة شديدة بإدخال الأف من الفدادين الزراعية داخل كردون المباني وذلك لإعتقاد الحكومة بأنه حل لمشكلة الأسكان وبذلك تشكلت أحياء جديدة بعضها راقي كثكنات المعادي والمهندسين وبعضها عشوائي وشعبي كالبساتين ودار السلام وغيرها.
قد يقول البعض إن ما تحكيه الأن هو سرد تاريخي يحمل كثير من أخطاء أنظمة سابقة وانا أتفق مع ذلك الرأي. لكن ماذا عن أخطاء الحاضر؟ ماذا عن مئات الملايين بل قل عشرات المليارت التي أنفقت ومازالت تنفق من أجل استصلاح صحراوتنا الغربية منها والشرقية وفي نفس الوقت ندمر بسذاجة بشديدة حقولنا الخضراء التي حبانا الله إياها والتي لا تحتاج إلي إصلاح لأنها سوداء خصبة يكفيها القليل من الماء لتصبح خضراء يانعة,أنا لا أشكك في جدوي عملية إستصلاح الصحراء حيث أنها ضرورة العصر لتوسيع رقعة أرضنا الزراعية الضئيلة لكن أما كان يجب أن يكون ذلك بالتزامن مع المحافظة علي الأراضي الزراعية في الدلتا والصعيد ومنع التعدي عليها بالبناء أو بغيرها من أشكال التعدي الأخري؟ وما جدوي المدن الجديدة التي تبني في محافظة السادس من أكتوبر وفي مدينة السلام وغيرها إذا كان مسلسل التعدي علي أراضي فيصل والمنيب والمريوطية مستمرا فإذا كنا قد قلنا في الماضي دعنا ننسي سلبيات ما حدث في العهود السابقة من تعدي علي ألاراضي بسبب الرشوة والفساد ولننظر في يومنا الحاضر فأقول إن كان ما يحدث في الحاضر هو امتدادا لما حدث في الماضي فالسياسة واحدة إذا لم تتغير كأن الوقت قد جمد فالتعدي مستمر إلي اللحظة ورائحة الفساد واضحة فهناك أياد كثيرة تتربح من تحويل تلك الأراضي الشاسعة إلي كردون المباني وتتدعمها جهات عليا تتربح هي الأخري من ذلك.
إن الخطر المحدق بثروتنا الزراعية المتمثل في الأراضي الزراعية في الوادي والدلتا لابد له من وقفة ويد من حديد تضرب كل أنواع التعدي وإلا سيأتي يوما تصبح فيه مصر غابة خراسانية تحيط بها أشلاء هزيلة خضراء..!!!!!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق