عجبت لأمر الأنظمة العربية, تلك الأنظمة المستبدة الغاشمة التي صار بينها وبين شعوبها أسوار ومتاريس ودشم من الكراهية والنفور, تتعامل تلك الأنظمة مع بلادها علي أنها شركة تدار لجني الأرباح تلك الأرباح التي تتحول في نهاية الأمر إلي أرصدة سرية في بنوك أوروبا وأمريكا ولا استبعد سنغافورة.
لكن يضاف إلي ذلك الغباء السياسي, نعم الغباء فمكوث هؤلاء الحكام طيلة تلك الأعوام في السلطة وتلذذهم بامتيازات ومزايا الحكم جعلهم يتشبثون بالحكم, ومن ثم لا يرضون بأي درجة من درجات النقد -البناء منه والهادم-فهم الحكماء والعقلاء والعلماء بمصالح بمستقبل شعوبهم, ساعدهم علي ذلك جيوشا من المنافقين الأفاقين من أسافل وأرازل المثقفين والصحفيين والفنانين بحيث صار النفاق والمداهنة هو الطريق إلي قلب الحاكم العربي, ولذلك فإن هؤلاء المتسلقون هم من يتم توليتهم في المناصب القادية والحساسة بالدولة لأن ولائهم مضمون, كما أن إنعام الحاكم عليهم بتلك المناصب قد كسر أعينهم أمام الناس بعد أن صار الحاكم هو ولي النعم وصاحب الأمر.
والحال نفسه مع علماء الدين, الحاكم العربي في الغالب غير متدين لا يصلي وإن صلي فأمام الكاميرات, ولا يحج ولا يعتمر وإن حج أو اعتمر فأمام الكاميرات أيضا وكأن الكاميرا هي الشاهد علي تدينه امام شعبه, ولأن الشعوب العربية متدينة بالفطرة فلابد أن يستغل الحكام ذلك الأمر لصالحه, فالإسلام بتعاليمه دين دينامي يحرك أفراده ويدفعهم للتوحد والتجمهر والتجمع, لذلك كانت صلاة الجمعة -التي يحتشد فيها ملايين الناس كل يوم جمعة- من الفروض, كذلك الحج فريضة واجبة علي كل مسلم لا يسقط عن المسلم إلا بعدم القدرة المادية أو الصحية, كذلك كان فضل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وقديما قالوا إن في الإجتماع قوة وفي الفرقة ضعف, فإن حكام العرب قاموا ببتر تلك المقولة وشطروها نصفين بحيث صار الشطر الثاني هو الشطر المفضل والمحبب, ففرقة الشعوب واجبة لكي لا يكونوا كغثاء السيل لا وزن لها, فاستعانوا بطبقة من المعممين وقاموا بكسر أعينهم وبذلك بأن أغدقوا عليهم بالمال والثروات, وفي مقابل ذلك فإن دورهم هنا هو الثناء علي الحاكم وتبرير أخطائه كونه إمام المسلمين, وأنه لا خروج علي الحاكم, فبقاء الحاكم الفاسد أفضل مائة مرة من فتنة لا تبقي ولا تذر.
بحيث أصبح للحكام حصانتان الأولي دنيوية يكفلها له الصحفيون والكتاب والفنانون, والثانية حصانة دينية يكفله له المعممون من المشايخ
وعلماء السلطة.
ولأن الحاكم العربي بطبيعته لا يستمع إلا لصوته وإن سمع صوتا إخر فهو التصفيق له بعد خطاباته أو التهليل له,فإن أي نقد يوجه يوجه للرئيس أو لسياساته كفيل بإطلاق الآف التهم علي شخص الناقد تهم لا تخلو من الخيانة والعمالة لجهات أجنبية والتآمر علي مصلحة الدولة العلية ولو المتهم شخص سعودي ويهاجم جلالة الملك طويل العمر أضف عليها تهمة المروق من الدين.
لكن أين الغباء في كل هذا؟ الحاكم العربي بطبيعته لا يعتبر من أخطاء من سبقه من الحكام فهو معتد بنفسه يثق ثقة عمياء بأجهزته الأمنية, فعندما يسممع بسقوط نظام عربي مجاور له, لا ترتعد فرائسه, بل تجده يتندر برفيقه بالكفاح ويعدد أسباب سقوط حكمه, ويقول لو أن ذلك الحاكم قد فعل كذا وكذا لكان بعد قابعا في قصره الفسيح.!!!
والمصيبة العظمي والطامة الكبري أن ذلك الحاكم نفسه والذي كان منذ أيام قليلة يعدد أخطاء الحاكم العربي الماجور له, عندما يهتز عرشه تحت ضربات الثوار تجده يسلك نفس الأساليب وكأن منهج الطغاة في الحكم واحدة وكأنهم نهلوا جميعا من ينبوع ظلم واحد فاتحدت طرق تفكيرهم.
انظروا إلي طريقة سقوط زين العابدين بن علي وكيف أنه تعامل مع الثورة في بدايتها بأسلوب قمعي شديد البطش بالثوار, وبعد أن بدأ زمام الأمور يفلت من يده قام فخطب في الناس ووعده بإصلاحات سياسية ولكن بعد فوات الأوان.
وفي مصر تكرر الأمر نفسه ففي مرحلة الاستعداد للثورة قبل 25 يناير أتحفنا أبو الغيط بتصريحات من نوع أننا لسنا تونس, ومصر دولة قوية, ومبارك يحظي بشعبية إلي آخر ذلك الهراء , وعندما قامت الثورة واجتاح الشعب ميدان التحرير عازمين علي الاعتصام, تعامل مبارك معهم بنفس طريقة بن علي القمع ثم القمع, وعندما سقط جهاز الشرطة وأنهار وانهزم بعد معركة 25 يناير, ولا النصر للمتظاهرين, خرج مبارك وخطب في الناس ووعدهم بإصلاحات سياسية لكن أيضا بعد فوات الأوان.
الأمر نفسه يحدث الأن في البحرين واليمن وليبيا فتلك الأنظمة شديدة الغباء تمارس كل أخطاء مبارك وبن علي, فيتعاملون مع مطالب الثوار الخاصة بالديموقراطية والعدالة -وهي مطالب سياسية بالدرجة الأولي- بشكل أمني وقمعي, الأمر الذي يزيد من الثورة ويرفع من سقف مطالب المتظاهرين.
أخيرا أقول بأن الأنظمة العربية إلي زوال, فلقد اقتلعت مصر وتونس الخوف من قلوب العرب, وقريبا ستسقط كل الأصنام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق