السبت، 5 فبراير 2011

شهادتي عن الثورة


أخيرا انتفض المارد المكبوت داخل قممه الضخم, أخيرا انتزع  غطاء القمم الذي كبت حريته  لينطلق المارد العملاق خارج القمم لكي يبطش بمن سجنه طيلة تلك الأعوام الطويلة, انتفض الشعب المصري ضد الظلم والاستبداد والفساد والخيانة والذل والهوان والعمالة ليسطر ثورته بحروف من نور تضئ ظلمات الظلم ,ولكي ينضم الشعب المصري إلي إخوته الثوار في تونس وفنزويلا والأرجنين وأوكرانيا وغيرها من الدول التي تحسست طريقها أخيرا إلي الديموقراطية.
وإليكم شهادتي عن الثورة

يوم الخميس 27 يناير
يوم الخميس ال27 من يناير يوما اتسم بالهدوء النسبي ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة, ذلك علي العكس من اليوم السابق, في الساعة الثامنة الا ربع كنت في ميدان عبد المنعم رياض حيث استقلت أحد الميكروباصات في موقف رمسيس متوجها إلي عملي في السادس من أكتوبر , يومها لم ألحظ أي تواجد للمتظاهرين في تلك المنطقة الحيوية  وكأن الحياة قد عادت إلي سيرتها الأولي طبيعية تخلو من التظاهرات.
ذهبت إلي مقر عملي في أحد شركات خدمة العملاء الأجنبية والتي تعتمد بشكل كلي علي خدمة الانترنت لكي تزود الخدمة لعملائها خارج مصر, وفي الساعة تقريبا الثانية إلا عشر انقطعت خدمة الأنترنت, ظننا حينها أنه عطل فني وانه سرعان ما سيتم إصلاح هذا العطل, لكن تأكذ بعد ذلك أن خدمة الانترنت قد تم قطعها عن كافة أرجاء الجمهورية كحرب استباقية من جانب الحكومة لإجهاض مظاهرات الجمعة.

يوم الجمعة 28 صباحا
عدت لمنزلي في قرابة السادسة ونصف عازما علي أخذ قسطا من النوم استعداد لصلاة الجمعة ومن ثم التوجه للمظاهرة, وبالفعل نمت لمدة 3 ساعات ونصف وعند استيقاظي فوجئت بأن خدمة الهاتف المحمول قد تم قطعها من جانب الحكومة لوقف حركة الاتصالات بين المتظاهرين, وبالتالي لم أجد بدا إلا أن أعزم علي التوجه للمظاهرة وحيدا, بعد أن كنت عقدت العزم للتظاهر مع مجموعة من أصدقائي ممن ينتمون إلي حزب العمل

يوم الجمعة 28 ينايرظهرا
في الثانية عشر ظهرا نزلت إلي أقرب مسجد لمنزلي لأداء صلاة الجمعة وقد لاحظت كثافة غير مسبوقة لعناصر الشرطة لم أر مثلها في حياتي خصوصا وأنا أقطن بجوار وزارة الداخلية بشارع الشيخ ريحان, المهم بعد الصلاة عقدت العزم علي التوجه للتظاهر في ميدان التحرير, وقد تعمدت تجنب السير في الشوارع الكبري المؤدية إلي الميدان حتي لا يتم الإشتباه في من عناصر الأمن المرابطة في كل المداخل. وفي حدود الواحد ظهرا كنت في ميدان طلعت حرب حيث وجدت مظاهرة صغيرة لا يتعدي عدد أفرادها المائتين, أنضممت للمظاهرة وأخذت أردد الهتافات مع الشباب وكان الشعار والهتاف المحبب والسائد هو الشعب يريد إسقاط النظام والذي صار الشعار الرسمي لثورة يناير المباركة.
كانت المظاهرة تكاد تكون محاصرة من كل الجهات وكنت أشعر بخوف حقيقي لا أنكره من أن يتم اعتقالي لكن سرعان ما تلاشي هذا الهتاف مع تعالي هتافات المتظاهرين وازدياد أعدادهم, كنا نسير في الميدان حاملين اللافتات واليافطات المنددة بمبارك ونظامه, لكن في حدود الثانية ونصف فوجئنا بسيارات الشرطة المدرعة تسير بسرعة كبيرة نحونا وهي تطلق علينا القنابل المسيلة للدموع فسقط عدد ليس بالقليل اختناقا من كثافة الدخان, تلا ذلك مهاجمة جنود المركزي للمتظاهرين وكنت بينهم فركضنا محاولين الابتعاد عن سحابات الدخان الكثيفة, وكاد أن يلقي القبض علي كاتب هذه السطور من أحد عناصر الشرطة والذي ركض ورائي لكني كنت أشد منه سرعة وأطول منه نفسا فلم ينل مني.!!!

لكن أين المفر لقد حوصرنا في أحد الشوارع الجانبية ولم نجد مخرجا وهنالك صرخ شخصا ما من أحد العمارات الجانبية "تعالوا هنا بسرعة" !!
أخذنا نجري ونقفز السلالم كالفرقعلوز أو كسبيدرمان لكن ننجو بأنفسنا واكتشفنا أن من أوانا  هم أعضاء حزب التجمع الذين فتحوا مقر الحزب لإيواء المتظاهرين والمصابين, فالشكر موصول لهم.
لبثت في مقر حزب التجمع قرابة النصف الساعة وكانت فرصة لإلتقاط الانفاس واستجماع القوي للتظاهر من جديد.


المظاهرة مستمرة
كانت المظاهرة في ميدان طلعت حرب وباب اللوق بمثابة حرب عصابات تتبع أسلوب الكر والفر فكلما هاجمت الشرطة المتظاهرين لتفرقهم سرعان ما تجمعوا ثانية وهلم جرا, ولاحظنا أن الشرطة قد فقدت أعصابها بشكل كبير فصاروا يطلقوا القنابل المسيلة للدموع بشكل مسعور يدل علي فلتان الأعصاب من جانبهم, وكان من سوء حظي أن باغتتني أحد تلك القنابل فسقطت أمامي مباشرة, فأنطلق الغاز مصيبا وجهي وممخترقا رئتي فلم أتحمل فسقطت علي الأرض !!
وهنا حملني أحد الشباب أو بالأحري استندت عليه وأجلسني علي رصيف بجوار صيدلية العزبي ورأيت من يجلب لي علبة كانز كوكاكولا لكي أغسل بها وجههي من أثر الغاز شكرت هذا الشاب الشهم الذي لا أدري كيف رآني ومتي وجد الوقت لكي يذهب لشراء الكوكاكولا لي فبارك الله فيه .


المظاهرة في طريقها للنصر
في خضم تلك الأحداث احتشد المتظاهرون من جديد وازدادت أعدادهم بشكل كبير جدا في باب اللوق وصار أهالي العمارات يدعون لنا من شرفاتهم ويقذفون إلينا بزجاجات المياه, بل حتي محل العبد الشهير قام بواجبه الوطني وقام أحد موظفيه بتوزيع أصناف الحلوي علي المتظاهرين, وقامت محلات السوبرماركت أيضا بوجابها الوطني الذي تشكر عليه فوجدنا من الشباب من يقوم بتوزيع البسكويت والشيكولا علي المتظاهرين, كانت مظاهرة عارمة وقد عزم المتظاهرون علي الزحف علي ميدان التحرير لولا سد قوات الأمن المركزي لكافة المداخل, وقد قاموا بنصب المتاريس ووقفت أحد المدرعات خلف المتاريس متوعدة كل من تسول له نفسه بالأقتراب منها.
حينها أخذنا في الهتاف باسقاط مبارك وإليكم بعض هذا الهتافات :

سلمية سلمية
شد حيلك يا بطل أنت بتحر وطن
مش هنمشي هو يمشي
حسني مبارك أنت فين, أنت مت ولا ايه
حرية تغيير عدالة اجتماعية
يا حرية فينك فينك حسنبي مبارك بينا وبينك
متر مدينتي بنص جنيه وكيلو القوطة ب 10 جنيه
يا دي الذل ويا دي العار أخ بيضرب أخوه بالنار
يأبو دبورة يابو كاب أحنا إخواتك مش إرهاب

وغيرها من الهتافات الحماسية, وفي أثناء ذلك فؤجت بصرخات الله أكبر ووجدت الناس من حولي يهللون ويرقصون فرحا, فأخذت اسأل من حولي  هو في إيه يا جماعة بالضبط؟ أخبرني الشباب بأن الأنباء قد تواترت بأن الأمن المركزي في الأسكندرية قد انضم للمتظاهرين, وأيضا جاءتنا الأخبار بأن المتظاهرين في السويس قد هاجموا مبني المحافظة وأن مدير الأمن قدر فر أو اعتقل. فزادتنا تلك الأخبار فرحا وأخذنا نهتف للسويس وأهل السويس, وصرنا في نشوة لا يعلم مداها إلا الله. وهنا شعرنا بأن الأمور أصبحت في صالحنا فقويت نفوسنا وتاقت عزائمنا لإسقاط مبارك بعد أن ادركنا بأن هذه المظاهرات ستغير نظام الحكم وأن سقف مطالبنا قد ارتفع إلي عنان السماء.
لكن أبي الأمن المركزي إلا أن يفسد فرحتنا  فأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع علينا, فتفرقنا في كل وجه عازمين علي التجمع من جديد وكانت الساعة حينها قرابة الرابعة ونصف أو الخامسة وربع.
أخذت التقط أنفاسي فرأيت خالي وأبي في المظاهرة فهرولت إليهم واحتضنتهم بعد أن تلطخ وجهي بالدموع والتراب والألم .


ملاحظاتي علي يوم 28 يناير
كانت مظاهرات 27 يناير مظاهرات سلمية فلم أر شخصا يدمر أو يحرق, بل عندما حاول أحد الاِشخاص أن يحطم أحد الأكشاك لأن صاحبه قد وضع صورة كبيرة لمبارك أعلي الكشك, صاح أحد العقلاء: يا جماااااااااااااعة إحنا خارجين عشان مصر مفيش تخريب دي بلدنا وملكنا.
أيضا ظهرت معالم للنخوة والشهامة فلم نري شابا يتحرش بفتاة أو ينظر لها نظرة تخلو من البراءة, بل لقد تعامل الشباب والرجال مع النساء والفتيات كأنهم إخوة لهم.
أيضا ظهرت  ملامح للوحدة الوطنية فعندما وقفنا في الشارع لأداء صلاة العصر, صاح أحد الشباب قائلا: يا جماعة الصلاة الصلاة صلاة العصر يا شباب, ويا اخوتنا المسيحيين صلوا صلاتكم عشان خاطر مصر.!!! وبالفعل وقف المسيحيون ورائنا لكي يحموا ظهورنا من قوات الشرطة
أيضا من المشاهد المشرفة هي استضافة الصيدليات للمصابين وقيام الأطباء بإسعفاهم داخل الصيدليات.


السبت 29 يناير
يعد هذا اليوم من اسوأ أيام حياتي, يوم غاب عنه الامن وغشاه الفوضي وكانت اليد الطولي فيه للبلطجية وأصحاب السوابق, فقد عم مصر الخراب !!
خرجت عصابات الداخلية لتخرب الممتلكات العامة والخاصة علي حد سواء, وكانت فرصة سانحة لهم لنهب مصر خصوصا مع إنهيار أو قل انسحاب جهاز الشرطة من الشوارع, فتمت سرقة كل المحال الرئيسية بالقاهرة.
المهم كنت أري بأم عيني سحب الدخان تتصاعد وأسمع ضرب الرصاص وأشم رائحة الغاز المسيل للدموع عند فتح كل نافذة في شقتي؟ كيف ذلك؟
للإجابة عن ذلك السؤال أجيبكم بأن جنود ومخبرو وزارة الداخلية قد أصابهم حالة من الرعب والهلع فأخذوا يفرون من مبني الوزارة, وكنت أري من نافذة منزلي ضباطو الداخلية وعساكر الامن  يهربون ويخلعون زيهم العسكري وصرخون طالبين الأهالي بأن يقدموا لهم ملابس مدنية حتي يفروا بحياتهم فكنا نرمي لهم تيشيرتات وقمصان وبناطيل وأحذية وشباشب وكان مشهدا مروعا ذكرني بمشهد هروب الجيش العراقي وانسحاب الجيش المصري وفراره بعد هزيمة 67.
والأدهي اننا كن نسمع اطلاق نارا كثيفا من مبني وزارة الداخلية التي أوقعني حظي العاثر ان أسكن بجانبها
وقد علمت بعد ذلك من الملازم اأحمد –وهو ضابط بالجيش وقائد احد المدرعات التي تقف بالقرب من منزلي- أن قناصة الداخلية قد قتلوا 13 شهيدا من المواطنين الأبرياء الذين قادهم حظهم العاثر ان يتواجدوا قرب مبني الداخلية في ذلك الوقت العصيب, وقد حملت جثامين الشهداء ووضعت في أحد المساجد المجاورة
والحمد لله أن تلك المجازر قد توقفت عند سيطرة قواتنا المسلحة علي مبني  الداخلية وتم اعتقال بعض القناصة الذين روعوا الأمنين وقتلوا الأبرياء بغير ذنب.
هذه شهادتي عن الأيام الثلاثة الأولي للثورة وقد عايشتها ورأيت أحداثها بعيني وشاركت في بعض أحداثها ووقائعها.
شاركت فيها متظاهرا , ولبثت الساعات الطوال في الشارع مع اللجان الشعبية لكي نحرص بيوتنا وأهالينا, رأيت دخول قوات الجيش للقاهرة للمرة الأولي منذ سنوات طويلة رأيت بعيني فرار الشرطة وهروبهم من المسئولية المنوطة بهم في حماية المواطنين, رأيت العناصر المخربة وهي تخرب محال وسط البلد.
هذه الشهادة هي صميم خبرة شحصية  لأ أنكر أن العاطفة قد غلبتني وانا أكتبها لكن أين العقل في أيام عصيبة عشتها لم أر فيها أمنا ولا نوما, لكن كل شيئ يهون من أجل الثورة المباركة التي ستغير تاريخ مصر للأبد وستمحو فترة سوداء في تاريخنا.
محمد مدحت شعبان محمد

ليست هناك تعليقات: