الخميس، 17 فبراير 2011

غباء الحكام مصلحة للشعوب



عجبت لأمر الأنظمة العربية, تلك الأنظمة المستبدة الغاشمة التي صار بينها وبين شعوبها أسوار ومتاريس ودشم من الكراهية والنفور, تتعامل تلك الأنظمة مع بلادها علي أنها شركة تدار لجني الأرباح تلك الأرباح التي تتحول في نهاية الأمر إلي أرصدة سرية في بنوك أوروبا وأمريكا ولا استبعد سنغافورة.

لكن يضاف إلي ذلك الغباء السياسي, نعم الغباء فمكوث  هؤلاء الحكام طيلة تلك الأعوام في السلطة وتلذذهم بامتيازات ومزايا الحكم جعلهم يتشبثون بالحكم, ومن ثم لا يرضون بأي درجة من درجات النقد -البناء منه والهادم-فهم الحكماء والعقلاء والعلماء بمصالح بمستقبل شعوبهم, ساعدهم علي ذلك جيوشا من المنافقين الأفاقين من أسافل وأرازل المثقفين والصحفيين والفنانين بحيث صار النفاق والمداهنة هو الطريق إلي قلب الحاكم العربي, ولذلك فإن هؤلاء المتسلقون هم من يتم توليتهم في المناصب القادية والحساسة بالدولة لأن ولائهم مضمون, كما أن إنعام الحاكم عليهم بتلك المناصب قد كسر أعينهم أمام الناس بعد أن صار الحاكم هو ولي النعم وصاحب الأمر.
والحال نفسه مع علماء الدين, الحاكم العربي في الغالب غير متدين لا يصلي وإن صلي فأمام الكاميرات, ولا يحج ولا يعتمر وإن حج أو اعتمر فأمام الكاميرات أيضا وكأن الكاميرا هي الشاهد علي تدينه امام شعبه, ولأن الشعوب العربية متدينة بالفطرة فلابد أن يستغل الحكام ذلك الأمر لصالحه, فالإسلام بتعاليمه  دين دينامي يحرك أفراده ويدفعهم للتوحد والتجمهر والتجمع, لذلك كانت صلاة الجمعة -التي يحتشد فيها ملايين الناس كل يوم جمعة- من الفروض, كذلك الحج فريضة واجبة علي كل مسلم لا يسقط عن المسلم إلا بعدم القدرة المادية أو الصحية, كذلك كان فضل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

وقديما قالوا إن في الإجتماع قوة وفي الفرقة ضعف, فإن حكام العرب قاموا ببتر تلك المقولة وشطروها نصفين بحيث صار الشطر الثاني هو الشطر المفضل والمحبب, ففرقة الشعوب واجبة لكي لا يكونوا كغثاء السيل لا وزن لها, فاستعانوا بطبقة من المعممين وقاموا بكسر أعينهم وبذلك بأن أغدقوا عليهم بالمال والثروات, وفي مقابل ذلك فإن دورهم هنا هو الثناء علي الحاكم وتبرير أخطائه كونه إمام المسلمين, وأنه لا خروج علي الحاكم, فبقاء الحاكم الفاسد أفضل مائة مرة من فتنة لا تبقي ولا تذر.

بحيث أصبح للحكام حصانتان الأولي دنيوية يكفلها له الصحفيون والكتاب والفنانون, والثانية حصانة دينية يكفله له المعممون من المشايخ
وعلماء السلطة.

ولأن الحاكم العربي بطبيعته لا يستمع إلا لصوته وإن سمع صوتا إخر فهو التصفيق له بعد خطاباته أو التهليل له,فإن أي نقد يوجه يوجه للرئيس أو لسياساته كفيل بإطلاق الآف التهم علي شخص الناقد تهم لا تخلو من الخيانة والعمالة لجهات أجنبية والتآمر علي مصلحة الدولة العلية ولو المتهم شخص سعودي ويهاجم جلالة الملك طويل العمر أضف عليها تهمة المروق من الدين.

لكن أين الغباء في كل هذا؟ الحاكم العربي بطبيعته لا يعتبر من أخطاء من سبقه من الحكام فهو معتد بنفسه يثق ثقة عمياء بأجهزته الأمنية, فعندما يسممع بسقوط نظام عربي مجاور له, لا ترتعد فرائسه, بل تجده يتندر برفيقه بالكفاح ويعدد أسباب سقوط حكمه, ويقول لو أن ذلك الحاكم قد فعل كذا وكذا لكان بعد قابعا في قصره الفسيح.!!!
والمصيبة العظمي والطامة الكبري أن ذلك الحاكم نفسه والذي كان منذ أيام قليلة يعدد أخطاء الحاكم العربي الماجور له, عندما يهتز عرشه تحت ضربات الثوار تجده يسلك نفس الأساليب وكأن منهج الطغاة في الحكم واحدة وكأنهم نهلوا جميعا من ينبوع ظلم واحد فاتحدت طرق تفكيرهم.
انظروا إلي طريقة سقوط زين العابدين بن علي وكيف أنه تعامل مع الثورة في بدايتها بأسلوب قمعي شديد البطش بالثوار, وبعد أن بدأ زمام الأمور يفلت من يده قام فخطب في الناس ووعده بإصلاحات سياسية ولكن بعد فوات الأوان.

وفي مصر تكرر الأمر نفسه ففي مرحلة الاستعداد للثورة قبل 25 يناير أتحفنا أبو الغيط بتصريحات من نوع أننا لسنا تونس, ومصر دولة قوية, ومبارك يحظي بشعبية إلي آخر ذلك الهراء , وعندما قامت الثورة واجتاح الشعب ميدان التحرير عازمين علي الاعتصام, تعامل مبارك معهم بنفس طريقة بن علي القمع ثم القمع, وعندما سقط جهاز الشرطة وأنهار وانهزم بعد معركة 25 يناير, ولا النصر للمتظاهرين, خرج مبارك وخطب في الناس ووعدهم بإصلاحات سياسية لكن أيضا بعد فوات الأوان.

الأمر نفسه يحدث الأن في البحرين واليمن وليبيا فتلك الأنظمة شديدة الغباء تمارس كل أخطاء مبارك وبن علي, فيتعاملون مع مطالب الثوار الخاصة بالديموقراطية والعدالة -وهي مطالب سياسية بالدرجة الأولي- بشكل أمني وقمعي, الأمر الذي يزيد من الثورة ويرفع من سقف مطالب المتظاهرين.
أخيرا أقول بأن الأنظمة العربية إلي زوال, فلقد اقتلعت مصر وتونس الخوف من قلوب العرب, وقريبا ستسقط كل الأصنام.

الاثنين، 14 فبراير 2011

الحرية اليوم


الله أكبر سقط طاغية مصر, سقط آخر فراعنة الظلم والطغيان, سقط بعد أن سرق خلسة وبخسة 30 سنة من تاريخ مصر, صحيح أن 30 عاما في عمر دولة عريقة التريخ مثل مصر يربو تاريخها علي السبعة الاف عام, فإن سنوات حكم مبارك ال30 تعد اسوأ عصور مصر علي الإطلاق, فلم نشهد في عهده البائد الا الفساد والإفساد المتعمد في كل نواحي الحياة فلم يترك الطاغية المخلوع شيئ إلا أفسده, فانهارت الصناعة والزراعة, وتحكم طواشيه في مقدرات البلاد ولم يكونوا أقل إفساد وفسادا منه فكانوا كاللصوص الذين يسرقون خزينة مليئة بالأموال والمجوهرات يقتسمونها كيفما يشاءوا.

استطيع الإدعاء بأنني قارئ جيد لتاريخ بلادي المجيد ولعمري لم أري في تاريخ مصر -الحديث علي الأقل- حاكما تولي أمور هذه البلاد وتعمد إفساد مصر كهذا اللامبارك, حتي الخديو توفيق والذي استعان بالأنجليز لحماية عرشه من جيش عرابي, لم تصل خيانته إلي مستوي مبارك, فقد بلغ مبارك مرتبة حقيرة من الخيانة لم يصل إليها أحد من ملوك وحكام مصر منذ مينا موحد القطرين حتي عصره المنقضي بلا رجعة.

وأخيرا سقط نظامه بعد أنا ظننا أنه لن يسقط أبدا, لقد سخر مبارك كل أنظمة الدولة للتصفيق له ولحكمه واستخدم نفس الأدوات لمهاجمة المظاهرات ووصفها بالعمالة والخيانة -تذكروا جيدا مقولة الأجندات الي استهلكت كثيرا في الاعلام الحكومي حتي صار الناس يتندرون بها- واستعانوا أيضا بالغانيات والمخنثين من الفنانين والفنانات لسب المتظاهرين وإهانة ثورتهم بل وصلت السفالة إلي إهانة أعراضهم, ورغم كل هذا كانت إرداة الثوار أقوي فكما نجح الثوار في هزيمة الأمن المركزي, نجحوا أيضا في اسكات أبواق الإعلام الحكومي, حتي صار المستمع الوحيد له هو أنس الفي وحاشيته بعد أن فقد مصداقيته وصار مسخرة وكأن إذاعة صوت العرب سنة 67 قد عادت من جديد لكن بنفس ثوبها القديم المتسخ.

والأن بعد أن انتصرت الثورة تأتي مرحلة التفكير في مرحلة ما بعد مبارك, والإعداد لمرحلة جديدة أساسها الديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية, وهو الشعار الذي طالما نادت به الثورة وقد جاء الوقت لكي يتحول هذا الشعار إلي واقع ملومس.
إن المرحلة القادمة هي تصحيح ل59 عاما من الحكم الجمهوري (الناقص والغير ديموقراطي) مرحلة تصحيح لكل ما أفسده مبارك ونظامه, مرحلة نستعيد فيها أموالنا المنهوبة وشركاتنا المسلوبة وأراضينا المغتصبة وغازنا المصدر للعدو
لكن أولا لابد أن نستعيد الحياة السياسية السليمة, ولابد ان تنشأ أحزاب جديد لها مصداقية في الشارع وليست أحزاب ديكور كالأحزاب الموجودة الأن, وبإلغاء قانون الطوارئ تستطيع كل الأحزاب أن تمارس نشاطها بحرية تامة دون قيود كما كان في السابق, وأيضا لابد من السماح للطلبة بممارسة السياسة داخل الجامعة
وفي نهاية مقالي لا يسعني إلا أن أترحم علي أرواح شهدائنا الأبرار الذين قدموا أرواحهم من أجل الحرية

السبت، 5 فبراير 2011

شهادتي عن الثورة


أخيرا انتفض المارد المكبوت داخل قممه الضخم, أخيرا انتزع  غطاء القمم الذي كبت حريته  لينطلق المارد العملاق خارج القمم لكي يبطش بمن سجنه طيلة تلك الأعوام الطويلة, انتفض الشعب المصري ضد الظلم والاستبداد والفساد والخيانة والذل والهوان والعمالة ليسطر ثورته بحروف من نور تضئ ظلمات الظلم ,ولكي ينضم الشعب المصري إلي إخوته الثوار في تونس وفنزويلا والأرجنين وأوكرانيا وغيرها من الدول التي تحسست طريقها أخيرا إلي الديموقراطية.
وإليكم شهادتي عن الثورة

يوم الخميس 27 يناير
يوم الخميس ال27 من يناير يوما اتسم بالهدوء النسبي ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة, ذلك علي العكس من اليوم السابق, في الساعة الثامنة الا ربع كنت في ميدان عبد المنعم رياض حيث استقلت أحد الميكروباصات في موقف رمسيس متوجها إلي عملي في السادس من أكتوبر , يومها لم ألحظ أي تواجد للمتظاهرين في تلك المنطقة الحيوية  وكأن الحياة قد عادت إلي سيرتها الأولي طبيعية تخلو من التظاهرات.
ذهبت إلي مقر عملي في أحد شركات خدمة العملاء الأجنبية والتي تعتمد بشكل كلي علي خدمة الانترنت لكي تزود الخدمة لعملائها خارج مصر, وفي الساعة تقريبا الثانية إلا عشر انقطعت خدمة الأنترنت, ظننا حينها أنه عطل فني وانه سرعان ما سيتم إصلاح هذا العطل, لكن تأكذ بعد ذلك أن خدمة الانترنت قد تم قطعها عن كافة أرجاء الجمهورية كحرب استباقية من جانب الحكومة لإجهاض مظاهرات الجمعة.

يوم الجمعة 28 صباحا
عدت لمنزلي في قرابة السادسة ونصف عازما علي أخذ قسطا من النوم استعداد لصلاة الجمعة ومن ثم التوجه للمظاهرة, وبالفعل نمت لمدة 3 ساعات ونصف وعند استيقاظي فوجئت بأن خدمة الهاتف المحمول قد تم قطعها من جانب الحكومة لوقف حركة الاتصالات بين المتظاهرين, وبالتالي لم أجد بدا إلا أن أعزم علي التوجه للمظاهرة وحيدا, بعد أن كنت عقدت العزم للتظاهر مع مجموعة من أصدقائي ممن ينتمون إلي حزب العمل

يوم الجمعة 28 ينايرظهرا
في الثانية عشر ظهرا نزلت إلي أقرب مسجد لمنزلي لأداء صلاة الجمعة وقد لاحظت كثافة غير مسبوقة لعناصر الشرطة لم أر مثلها في حياتي خصوصا وأنا أقطن بجوار وزارة الداخلية بشارع الشيخ ريحان, المهم بعد الصلاة عقدت العزم علي التوجه للتظاهر في ميدان التحرير, وقد تعمدت تجنب السير في الشوارع الكبري المؤدية إلي الميدان حتي لا يتم الإشتباه في من عناصر الأمن المرابطة في كل المداخل. وفي حدود الواحد ظهرا كنت في ميدان طلعت حرب حيث وجدت مظاهرة صغيرة لا يتعدي عدد أفرادها المائتين, أنضممت للمظاهرة وأخذت أردد الهتافات مع الشباب وكان الشعار والهتاف المحبب والسائد هو الشعب يريد إسقاط النظام والذي صار الشعار الرسمي لثورة يناير المباركة.
كانت المظاهرة تكاد تكون محاصرة من كل الجهات وكنت أشعر بخوف حقيقي لا أنكره من أن يتم اعتقالي لكن سرعان ما تلاشي هذا الهتاف مع تعالي هتافات المتظاهرين وازدياد أعدادهم, كنا نسير في الميدان حاملين اللافتات واليافطات المنددة بمبارك ونظامه, لكن في حدود الثانية ونصف فوجئنا بسيارات الشرطة المدرعة تسير بسرعة كبيرة نحونا وهي تطلق علينا القنابل المسيلة للدموع فسقط عدد ليس بالقليل اختناقا من كثافة الدخان, تلا ذلك مهاجمة جنود المركزي للمتظاهرين وكنت بينهم فركضنا محاولين الابتعاد عن سحابات الدخان الكثيفة, وكاد أن يلقي القبض علي كاتب هذه السطور من أحد عناصر الشرطة والذي ركض ورائي لكني كنت أشد منه سرعة وأطول منه نفسا فلم ينل مني.!!!

لكن أين المفر لقد حوصرنا في أحد الشوارع الجانبية ولم نجد مخرجا وهنالك صرخ شخصا ما من أحد العمارات الجانبية "تعالوا هنا بسرعة" !!
أخذنا نجري ونقفز السلالم كالفرقعلوز أو كسبيدرمان لكن ننجو بأنفسنا واكتشفنا أن من أوانا  هم أعضاء حزب التجمع الذين فتحوا مقر الحزب لإيواء المتظاهرين والمصابين, فالشكر موصول لهم.
لبثت في مقر حزب التجمع قرابة النصف الساعة وكانت فرصة لإلتقاط الانفاس واستجماع القوي للتظاهر من جديد.


المظاهرة مستمرة
كانت المظاهرة في ميدان طلعت حرب وباب اللوق بمثابة حرب عصابات تتبع أسلوب الكر والفر فكلما هاجمت الشرطة المتظاهرين لتفرقهم سرعان ما تجمعوا ثانية وهلم جرا, ولاحظنا أن الشرطة قد فقدت أعصابها بشكل كبير فصاروا يطلقوا القنابل المسيلة للدموع بشكل مسعور يدل علي فلتان الأعصاب من جانبهم, وكان من سوء حظي أن باغتتني أحد تلك القنابل فسقطت أمامي مباشرة, فأنطلق الغاز مصيبا وجهي وممخترقا رئتي فلم أتحمل فسقطت علي الأرض !!
وهنا حملني أحد الشباب أو بالأحري استندت عليه وأجلسني علي رصيف بجوار صيدلية العزبي ورأيت من يجلب لي علبة كانز كوكاكولا لكي أغسل بها وجههي من أثر الغاز شكرت هذا الشاب الشهم الذي لا أدري كيف رآني ومتي وجد الوقت لكي يذهب لشراء الكوكاكولا لي فبارك الله فيه .


المظاهرة في طريقها للنصر
في خضم تلك الأحداث احتشد المتظاهرون من جديد وازدادت أعدادهم بشكل كبير جدا في باب اللوق وصار أهالي العمارات يدعون لنا من شرفاتهم ويقذفون إلينا بزجاجات المياه, بل حتي محل العبد الشهير قام بواجبه الوطني وقام أحد موظفيه بتوزيع أصناف الحلوي علي المتظاهرين, وقامت محلات السوبرماركت أيضا بوجابها الوطني الذي تشكر عليه فوجدنا من الشباب من يقوم بتوزيع البسكويت والشيكولا علي المتظاهرين, كانت مظاهرة عارمة وقد عزم المتظاهرون علي الزحف علي ميدان التحرير لولا سد قوات الأمن المركزي لكافة المداخل, وقد قاموا بنصب المتاريس ووقفت أحد المدرعات خلف المتاريس متوعدة كل من تسول له نفسه بالأقتراب منها.
حينها أخذنا في الهتاف باسقاط مبارك وإليكم بعض هذا الهتافات :

سلمية سلمية
شد حيلك يا بطل أنت بتحر وطن
مش هنمشي هو يمشي
حسني مبارك أنت فين, أنت مت ولا ايه
حرية تغيير عدالة اجتماعية
يا حرية فينك فينك حسنبي مبارك بينا وبينك
متر مدينتي بنص جنيه وكيلو القوطة ب 10 جنيه
يا دي الذل ويا دي العار أخ بيضرب أخوه بالنار
يأبو دبورة يابو كاب أحنا إخواتك مش إرهاب

وغيرها من الهتافات الحماسية, وفي أثناء ذلك فؤجت بصرخات الله أكبر ووجدت الناس من حولي يهللون ويرقصون فرحا, فأخذت اسأل من حولي  هو في إيه يا جماعة بالضبط؟ أخبرني الشباب بأن الأنباء قد تواترت بأن الأمن المركزي في الأسكندرية قد انضم للمتظاهرين, وأيضا جاءتنا الأخبار بأن المتظاهرين في السويس قد هاجموا مبني المحافظة وأن مدير الأمن قدر فر أو اعتقل. فزادتنا تلك الأخبار فرحا وأخذنا نهتف للسويس وأهل السويس, وصرنا في نشوة لا يعلم مداها إلا الله. وهنا شعرنا بأن الأمور أصبحت في صالحنا فقويت نفوسنا وتاقت عزائمنا لإسقاط مبارك بعد أن ادركنا بأن هذه المظاهرات ستغير نظام الحكم وأن سقف مطالبنا قد ارتفع إلي عنان السماء.
لكن أبي الأمن المركزي إلا أن يفسد فرحتنا  فأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع علينا, فتفرقنا في كل وجه عازمين علي التجمع من جديد وكانت الساعة حينها قرابة الرابعة ونصف أو الخامسة وربع.
أخذت التقط أنفاسي فرأيت خالي وأبي في المظاهرة فهرولت إليهم واحتضنتهم بعد أن تلطخ وجهي بالدموع والتراب والألم .


ملاحظاتي علي يوم 28 يناير
كانت مظاهرات 27 يناير مظاهرات سلمية فلم أر شخصا يدمر أو يحرق, بل عندما حاول أحد الاِشخاص أن يحطم أحد الأكشاك لأن صاحبه قد وضع صورة كبيرة لمبارك أعلي الكشك, صاح أحد العقلاء: يا جماااااااااااااعة إحنا خارجين عشان مصر مفيش تخريب دي بلدنا وملكنا.
أيضا ظهرت معالم للنخوة والشهامة فلم نري شابا يتحرش بفتاة أو ينظر لها نظرة تخلو من البراءة, بل لقد تعامل الشباب والرجال مع النساء والفتيات كأنهم إخوة لهم.
أيضا ظهرت  ملامح للوحدة الوطنية فعندما وقفنا في الشارع لأداء صلاة العصر, صاح أحد الشباب قائلا: يا جماعة الصلاة الصلاة صلاة العصر يا شباب, ويا اخوتنا المسيحيين صلوا صلاتكم عشان خاطر مصر.!!! وبالفعل وقف المسيحيون ورائنا لكي يحموا ظهورنا من قوات الشرطة
أيضا من المشاهد المشرفة هي استضافة الصيدليات للمصابين وقيام الأطباء بإسعفاهم داخل الصيدليات.


السبت 29 يناير
يعد هذا اليوم من اسوأ أيام حياتي, يوم غاب عنه الامن وغشاه الفوضي وكانت اليد الطولي فيه للبلطجية وأصحاب السوابق, فقد عم مصر الخراب !!
خرجت عصابات الداخلية لتخرب الممتلكات العامة والخاصة علي حد سواء, وكانت فرصة سانحة لهم لنهب مصر خصوصا مع إنهيار أو قل انسحاب جهاز الشرطة من الشوارع, فتمت سرقة كل المحال الرئيسية بالقاهرة.
المهم كنت أري بأم عيني سحب الدخان تتصاعد وأسمع ضرب الرصاص وأشم رائحة الغاز المسيل للدموع عند فتح كل نافذة في شقتي؟ كيف ذلك؟
للإجابة عن ذلك السؤال أجيبكم بأن جنود ومخبرو وزارة الداخلية قد أصابهم حالة من الرعب والهلع فأخذوا يفرون من مبني الوزارة, وكنت أري من نافذة منزلي ضباطو الداخلية وعساكر الامن  يهربون ويخلعون زيهم العسكري وصرخون طالبين الأهالي بأن يقدموا لهم ملابس مدنية حتي يفروا بحياتهم فكنا نرمي لهم تيشيرتات وقمصان وبناطيل وأحذية وشباشب وكان مشهدا مروعا ذكرني بمشهد هروب الجيش العراقي وانسحاب الجيش المصري وفراره بعد هزيمة 67.
والأدهي اننا كن نسمع اطلاق نارا كثيفا من مبني وزارة الداخلية التي أوقعني حظي العاثر ان أسكن بجانبها
وقد علمت بعد ذلك من الملازم اأحمد –وهو ضابط بالجيش وقائد احد المدرعات التي تقف بالقرب من منزلي- أن قناصة الداخلية قد قتلوا 13 شهيدا من المواطنين الأبرياء الذين قادهم حظهم العاثر ان يتواجدوا قرب مبني الداخلية في ذلك الوقت العصيب, وقد حملت جثامين الشهداء ووضعت في أحد المساجد المجاورة
والحمد لله أن تلك المجازر قد توقفت عند سيطرة قواتنا المسلحة علي مبني  الداخلية وتم اعتقال بعض القناصة الذين روعوا الأمنين وقتلوا الأبرياء بغير ذنب.
هذه شهادتي عن الأيام الثلاثة الأولي للثورة وقد عايشتها ورأيت أحداثها بعيني وشاركت في بعض أحداثها ووقائعها.
شاركت فيها متظاهرا , ولبثت الساعات الطوال في الشارع مع اللجان الشعبية لكي نحرص بيوتنا وأهالينا, رأيت دخول قوات الجيش للقاهرة للمرة الأولي منذ سنوات طويلة رأيت بعيني فرار الشرطة وهروبهم من المسئولية المنوطة بهم في حماية المواطنين, رأيت العناصر المخربة وهي تخرب محال وسط البلد.
هذه الشهادة هي صميم خبرة شحصية  لأ أنكر أن العاطفة قد غلبتني وانا أكتبها لكن أين العقل في أيام عصيبة عشتها لم أر فيها أمنا ولا نوما, لكن كل شيئ يهون من أجل الثورة المباركة التي ستغير تاريخ مصر للأبد وستمحو فترة سوداء في تاريخنا.
محمد مدحت شعبان محمد