.
كثيرا ما أثار اهتمامي هذا الحديث الشريف وكنت أتوق إلي معرفة خلفيته التاريخية منه والدينية, فقد قرأته للمرة الأولي وانا مازلت صبيا يافعا في الثانية عشر من عمري وكنت أنذاك شغوفا بتاريخ المسلمين وأيامهم الأولي الكبري في حروب الفتح ضد دولتي الفرس والروم.. وكان السؤال الأبرز الذي خطر إلي ذهني هو ""كيف يقول النبي المعصوم إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ومن المعروف تاريخيا أن الدولة الرومانية قد استمرت قرابة الثمانمئة عام بعد وفاة النبي و تعاقب علي عرش القسطنطينية عشرات الآباطرة بعد هرقل فما تفسير ذلك إذا؟؟
لتفسير ذلك لابد من توضيح أن لقب قيصر- ذلك اللقب ارتبط دائما بإمبراطور الرومان- ما هو الا اسم القائد الروماني جايوس يوليوس قيصر, وقد ورث هذا اللقب ابن أخته أغسطس أوكتفاينوس قيصر(1), فصار الاسم من بعده لقبا لكل من تولي عرش الامبراطورية الرومانية
, وكان يسبقه في كثير من الأحيان لقب فلافيوس وأغسطس أي المهيب باللغة الاتينية ومن الأمثلة علي ذلك الإمبراطور جستنيان فاسمه بالكامل فلافيوس سباتيوس جستنيانوس قيصر. فاسم الامبراطور جستنيان دون ألقاب الملك هي سباتيوس بتروس جستنيانوس. وقد أصبح التسمي بالألقاب التي تقدم ذكرها سنة يتوارثا الآباطرة الرومان, حتي بعد سقوط الدولة الرومانية الغربية سنة 476 وخلع أخر آباطرتها رومولوس فقد استمر اللقب ساريا في الشرق البيزنطي حتي عصر الأمبراطور فلافيوس هرقليوس أغسطس قيصر الشهير في مصادر التاريخ العربي بأسم الإمبراطور هرقل.
فعلي عكس الآباطرة السابقين من أمثال جستنيان وفوقاس وأنستازيوس كان هرقل أقل شغفا بتراث الإمبراطورية اللاتيني, حتي قبل توليه سدة الدولة كانت الولايات الرومانية (اللاتينية) في الغرب قد سقطت منذ عقود بعيدة كما أضمحل شأن إيطاليا وفقدت أهميتها كعاصمة للأمبراطورية ربما منذ عهد قسطنطين, كما أدت الحروب الرومانية-القوطية إلي تخريب حواضر إيطاليا ومدنها التالدة مثل ميلانو ورافينا وروما, وقد ازداد الوضع تفاقما بعد غزوات القبائل اللومباردية ونجاحهم في تأسيس دويلة ناشئة في شمال ووسط إيطاليا. وكثيرا ما كانوا يغيرون علي روما مهددين سكانها, فكانت المحصلة النهائية هي إنحدار إيطاليا وإنخفاض عدد سكانها بحيث أصبحت روما أثرا بعد عين وأضحت مبانيها الضخمة محاجر للرخام والأعمدة ومأوي للمتسولين والعابثين, بالإضافة إلي الأسباب السابقة فقد هجر المدينة علية القوم من أهل الفنون والآداب إلي أقاليم الدولة الآخري كاليونان ومصر فأنحطت إيطاليا أكثر وأزدادت غوصا في بحور الجهل,كما أدت الحروب الفارسية-الرومانية التي أندلعت في عهد الإمبراطور جستن الثاني إلي تعبئة جهود الدولة ضد فارس الأمر الذي استلزم إرسال أغلب القوات النظامية المحترفة إلي جبهات القتال في سوريا وأعالي العراق مما أدي إلي خلق فراغا استراتيجا في الحدود الرومانية وكانت تلك فرصة لا تعوض للبرابرة الجرمان لإختراق حدود الإمبارطورية في شمال إيطاليا وفي ولاية دلماشيا, وحتي القسطنطينية ذاتها سنة 624 للميلاد عندما حاصرها الآفار.
أما السبب الجوهري في ابتعاد الإمبراطورية عن تراثها اللاتيني التي قامت عليه فيرجع في أساسه إلي تأسيس قسطنطين لروما الجديدة –والتي عرفت لاحقا بأسم القسطنطينية- وكانت تلك المدينة الجديدة التي تقع في محيط من الشعوب المتكلمة بالإغريقية فاتحة عهد جديد في تاريخ الإمبراطورية الرومانية, عهد شهد ابتعاد روما عن جذورها الأولي ليس فقط في مجال اللغة –وإن كانت الاتينية لازالت بعد هي لغة الدولة- بل حتي في مجال الجيش,فقد أعاد قسطنطين إصلاح الفيالق الرومانية . وبوفاة الإمبراطور ثيودسيوس الأول سنة 395 م وتقسيم الأمبراطورية بين ولديه, بحيث أصبحه ولده أركيديوس إمبراطورا علي مصر والشام والبلقان وآسيا الصغري وبرقة, بينما حكمل ولده الثاني هونوريوس الجزء الغربي من الإمبراطورية والذي ضم غالة (فرنسا حاليا) وإيطاليا وهسبانيا وولاية افريقية وبريطانيا.
ونلاحظ من شكل التقسيم أن لم يكن تقسيما جغرافيا فحسب بل كان أيضا تقسيما لغويا, فقد ورث أركاديوس عن أبيه حكم الأقاليم الشرقية, تلك الأقاليم التي أفتتحتها الدولة الرومانية قبل ذلك التاريخ بحوالي ال400 عام تقريبا بعد أن قضت علي حكم البطالسة والسلوقيين بها والجدير بالذكر أن كلا البطالسة والسلوقيين كانتا دولتين إغريقتيين ورثتا دولة الاسكندر العظيم.
وبالعودة إلي موضوعنا الرئيسي وهو الإمبراطور هرقليوس فنجد أنه نشأ في بيئة ثقافية يونانية صرفة, بل كانت اللغة اليونانية هي لغته الأم. وقد حكم إمبراطورية شاسعة تمتد من النوبة جنوبا حتي إقليم دلماشيا (ألبانيا وكرواتيا حاليا), ومن بلاد الشام شرقا حتي اليونان والبلقان في أقصي الغرب, وقد كانت اللغة اليونانية متجذرة في تلك البلاد منذ أمد بعيد الأمر الذي جعلها اللغة الرسمية في الإدارة وفي القانون, وعند فتح الرومان لتلك الأقاليم أثروا الإبقاء علي التراث الإغريقي بها ولم يحاوا فرض اللغة اللاتينية قسرا.
وعندما تولي الإمبراطور هرقل الحكم كانت الإمبراطورية الرومانية قد فقدت مقاطعتها المتحدثة باللغة اليونانية منذ أمدا بعيد. كل هذا في النهاية إلي إعلان الإمبراطور هرقل اليونانية لغة رسمية للدولة. وقام علي الفور بإتخاذ لقب باسيليوس وتعني الملك باللغة اليونانية وانتهي بذلك سيطرة مجلس الشيوخ الصورية علي الإمبراطورية (2), فلم تعد بيزنطة جمهورية صورية كما كانت بل أصبحت مملكة بكل ما تحمله الكلمة من معني.
إذن فسيد المرسلين عليه الصلاة والسلام عندما قال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده فإنه يخبر أمته بأن قيصر الروم الحالي (هرقل) هو أخر الآباطرة الرومان الذين يتخذون هذا اللقب, وأن الدولة من بعده لن تصبح كدولة الروم الأولي التي عاصرها العرب وخالطوها ووقوفوا علي أحوالها.
وتلك معجزة نبوية تدل أن الله سبجانه وتعالي قد أخبر رسوله ونبيه بمصائر الدول المحيطة بالمسلمين,فقد بشر النبي المسلمين بفتح مصر والسند وفارس بل وبشرهم بفتح مدينة هرقل (القسطنطينية) ورومية (روما القديمة), وكأن النبي يترأي له مصير الدولة الرومانية ويري بعين النبوة الحكيمة التقلبات الشديدة التي ستعصف بدولة الروم وتغير من شأنها.
وأخير فأنا لا أدعي العلم في الدين ولا أنا من أهل الفقه أو الحديث فهذا البحث هو إجتهاد شخصي إن أصبت فيه فلي أجران إن شاء الله وإن اخطأت فلي أجر الإجتهاد, ولم أخذ بآراء بعض الصحابة والتابعين في تأويل الحديث علي لفظة كسري من يملك الشام لأني لم أجد في التواريخ الرومانية ما يؤكد هذا القول, وهذا ما دفعني للإجتهاد في تفسير الحديث في ضوء التاريخ الروماني وألقاب الآباطرة.
الهوامش
1- من المثير للأنتباه أن الإمبراطور أغسطس رفض أن ينادي ملكا علي الدولة الرومانية وأكتفي بلقب المواطن الأول.
2- من الجدير بالذكر أن الإمبراطورية الرومانية علي الرغم من نظام الحكم الوراثي الذي كان شائعا بها لم تدعي قط أنها مملكة, بل استمر الآباطرة في تعيين قناصل لمجلس الشيوخ بإعتباره رأس الهرم السياسي الروماني وإن كانت سلطة القناصل قد أضمحلت منذ عهد أوكتفيانوس.
هناك تعليق واحد:
شركة مكافحة حشرات بالاحساء
شركة مكافحة حشرات بالقطيف
شركة مكافحة حشرات بالجبيل
شركة مكافحة حشرات بالخبر
شركة مكافحة حشرات بتبوك
إرسال تعليق