
من عجائب هذا الزمان أن تري الرجل يمدح ويثني عليه وفي الوقت ذاته يشهر به ويقدح في ذاته!!, هذا التناقض يظهر جليا في موقف الحكومة والنظام المصري من الدكتور محمد البرادعي, فالرجل الذي حصل علي أعلي جائزة علمية في السلام سنة 2005 وكافأه الرئيس المصري علي إثرها بأن منحه وشاح النيل وهو أرفع وسام في مصر, تشن عليه الصحف الحكومة هجوما شديدا ويتطاول عليه من لا قامة لهم في عالم السياسة والصحافة, وهم رجال الله وحده يعلم كيف تبوأوا تلك المناصب الكبري في البلاد, حتي كثر النهيق في صحفنا القومية ومنهم من اتهم الرجل جزافا حتي وصل السفه ببعضهم بأن اتهم البرادعي بأنه وراء غزو أمريكا للعراق..
كل هذا لأن البرادعي قد شطح به تفكيره ووسوس له شيطانه بأن يحلم بالصعود إلي أكبر منصب في البلاد ألا وهو منصب رئاسة الجمهورية ,وكأن ذلك المنصب هو اختيار رباني لا يناله إلا مبارك وآله.
فكلما فكر أي فرد بالترشح لذاك المنصب سلط عليه النظام كلابه وجهلاءه فيشهرون به ويتهمونه بأقبح الأشياء والأفعال, فمبارك هو الأصلح والأفضل والأتقي وقل ما شئت من اسماء التفضيل وما سواه وما دونه مرزول مكروه غير مرغوب به.
ويذكرني هؤلاء بحال ملوك الطوائف في الأندلس, فعندما تفككت الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية سنة 1031, تملك كل والي وقاضي بمدينته حتي صارت الأندلس 22 دويلة, ومنهم من كان يحكم مدينة واحد ويتسمي باسمأء الملوك السابقين.
ونظرا لأن هؤلاء الولاة لا يستندون إلي شرعية ولا يحوذون علي حب الرعية, فقد أدعوا كذبا وزورا بأنهم يحكمون البلاد إلي أن يحين الوقت ويسلمون الأمر إلي من يستحقه من المسلمين.
وفي ذلك يقول المؤرخ الأندلسي الشهير لسان الدين الخطيب عن حالهم:
وذهب أهل الأندس من الانشقاق والانشعاب والافتراق إلي حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار... وليس لأحدهم في الخلافة إرث, ولا في الإمارة سبب, ولا في الفروسية نسب. اقتطعوا الأقطار, واقتسموا المدائن الكبار, وجبوا العمالات والأمصار, وانتحلوا الألقاب, وقصاري أحدهم يقول:" أقيم علي ما بيدي, حتي يتعين من يستحق الخروج به إليه", ولو جاءه عمر بن عبد العزيز لم يقبل عليه, ولا لقي خير لديه. ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا و أعمارا. انتهي
هذا هو حال مصر اليوم, رجال يحكمون البلاد ويبررون بقاء الرئيس طول تلك السنين الطوال العجاف في الحكم, بأنه لا يوجد في الساحة السياسية الرجل المناسب ليخلف مبارك, والنتيجة تسلط الفساد علي مصر وشاع في البلاد كل مظاهر المفاسد والفساد, بل أكاد أزعم أن مصر لم تشهد تدهورا وإنحدار طوال تاريخها التالد الطويل كما يحدث اليوم.
وقصة ملوك الطوائف ومآلهم معروف خاصة لمن يحبون قراءة التاريخ, ولمن لا يعرف فقد تعاون هؤلاء الملوك الضعاف مع الممالك المسيحية ضد إخوانهم في الدين, ومنهم من كان يدفع الجزية لبلاط قشتالة يكي يضمن بقاءه في العرش ولكي يستقوي بالقشتاليين علي خصومه من المسلمين. لكن أي من هذه التنازلات لم ترضي ملوك النصاري فقد ازداد طمعهم وعلموا ما وصل إليه حال المسلمين بالأندلس من الضعف والإنشقاق فعزموا علي الاستيلاء علي ممالك المسلمين الضعيفة المفككة فكانت النهاية المعروفة.
لست من هواة مقارنة أحوال الدول الاسلامية الغابرة بأحوال دولنا المعاصرة, لكن بعض تصرفات حكام المسلمين السابقين تكاد تتطابق مع أحفادهم -أحفادهم في السياسة وليس في النسب بالطبع- من الحكام الحاليين.
ويظهر ذلك في مهاجمة النظام المصري للدكتور البرادعي لمجرد بأنه فكر في الترشح للرئاسة بل وأدعوا بشكل سافر بأنه ليس أهلا لتولي حكم مصر, فالبرادعي الحاصل علي أعلي درجة الدكتوراه في القانون الدولي والحائز علي أعلي الأوسمة في مصر والعالم ليس أهلا لحكم مصر, بينما جمال مبارك الذي لم -يعرف عنه علم ولا ثقافة- ولا حسن تدبير أحق بحكم مصر جمال مبارك الذي مكانه الطبيعي هو بنك بركليز!!!!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق