الخميس، 26 فبراير 2009

عبقرية خالد بن الوليد في مؤتة واليرموك



في صيف السنة الثامنة للهجرة دخل خالد بن الوليد المدينة معلنا إسلامه وبادئا صفحة جديدة في حياته التي اتسمت بمعاداة الإسلام طوال فترة البعثة النبوية.وكان النبي صلي الله عليه وسلم أشد الناس معرفة بمعادن أصحابه وسماتهم. فيقدم بعضهم في قيادة الجند والعسكر وحمل الرايات ويرسل البعض الآخر  في عقد العهود والمواثيق أو نشر الدعوة الإسلامية كما هو الحال مع معاذ بن جبل الذي أرسله النبي إلي اليمن ليعلم القوم هناك تعاليم الإسلام.

وقد كان خالد أحد المسلمين المتأخرين الذين أولاهم النبي –صلي الله عليه وسلم- ثقته وأرسله قائدا للعديد من البعوث والسرايا وذلك لعلمه بقدرته العسكرية الفذة والتي ظهرت جليا في غزوة أحد قبل ذلك بخمس سنوات فقد كان خالد هو السبب الرئيس لإنتصار قريش وقتها.
وقد بدأت جهود خالد في خدمة الإسلام وتوسيع حدود الدولة الإسلامية في المدينة كجنديا عاديا في جيش النبي المبتعث لقتال الغساسنة وحلفاؤهم الروم الشرقيين انتقاما لقتل شرحبيل بن عمرو الغساني لحامل كتاب رسول الله.
ودون الخوض في تفاصيل معركة مؤتة نستطيع القول بأن جيش الغساسنة وحلفاءهم الرومان لم يكن ليبلغ 100,000 جندي كما تشير الرواية الإسلامية وذلك لسبب بسيط وهو أن جيش الدولة الرومانية الشرقية في القرن السابع الميلادي كان عدده  قريبا من هذا الرقم لذا فمن غير المعقول أن ترسل الدولة الرومانية كل جيوشها لقتال مجموعة صغيرة من القوات العربية المغيرة علي حدودها الجنوبية .بالإضافة إلي صعوبة تموين ذلك الجيش ووعورة ساحة القتال وضيق مساحتها التي لا تستوعب تلك الأعداد الضخمة من المقاتلين.
لذا فأرجح الظن -في رأيي- أن عدد جيوش الغساسنة والرومان كان قريبا من ال20 ألف مقاتل أغلبهم من القبائل الغسانية العربية بالإضافة إلي بعض حاميات الرومان في الشام والتي اشتركت في المعركة إلي جانب الغساسنة. وهذا لا يقلل بالطبع من عبقرية خالد وحسن إداراته للمعركة بشكل أنقذ جيش المسلمين من هزيمة مروعة أشبه ما تكون بمذبحة كاد أن يفني فيها الجيش عن آخره. حتي لو كان قوام الجيش الغساني-الروماني 20 ألفا كما أسلفت فهذا يعني أن كل جنديا مسلما يقاتل 6 جنود رومان وهي نسبة ضخمة ويحسب لخالد أنه تجنب الإشتباك المباشر مع  جيش الروم  وأكتفي بمناوشات صغيرة ثم انسحب في الليل

أما أعظم إنتصارات خالد بن الوليد فهي معركة اليرموك ضد الإمبراطورية الرومانية الشرقية سنة   636م,  فقد نجح خالد في هزيمة جيش الرومان المتفوق من حيث العدد والعدة,ويكفي أن تعلم أن هرقل حشد في تلك المعركة -علي عكس المعارك السابقة- خيرة جنود الدولة الرومانية ,فقد شارك في المعركة جنود الأناضول والقسطنطينية وقبائل السلاف وغيرها من القبائل البربرية المتمرسة علي القتال والتي تقطن علي حدود الدولة , وناهيك عن جيوش بيزنطة المحترفة, اما أبرز المشاركين في المعركة فهو ماهان قائد جيوش الأرمن , وفرسان الأرمن كانوا من أكثر فرسان العالم تدريعا في ذلك الزمان فقد كانت الدروع تغطي الفارس كلية بحيث لا تري إلا عينيه,وكان هجومهم علي المشاه كاسحا. وقد حشد هرقل كل هذه الجموع الضخمة من سائر أنحاء إمبراطوريته الفسيحة كحل أخير لوقف تقدم المسلمين وهو رهان سيدفع ثمنه باهظا فيما بعد.


وقد استطاع خالد بن الوليد في اليرموك إبطال كل مفاتيح الجيش الروماني. فلقد عطلت رماة المسلمين تقدم الفرسان الأرمن وحالت دون إكتساحهم للمشاة. كما نجح نظام الكراديس لحد كبير في إحتواء الجموع رومانية والحيلولة دون تطويقهم للجيش الإسلامي.أما مفتاح النصر فهو خالد بن الوليد نفسه فقد هاجم خالد وفرسانه صميم الجيش الروماني وترتب علي ذلك مقتل ماهان قائد جيوش الارمن وغيرهم من قادة جيوش الروم وقد أشاع ذلك جوا من الهلع والرعب والفوضي في جيوش الروم. فهان علي المسلمين أمرهم فأمعنوا فيهم قتلا وأسرا حتي فني الجيش الروماني عن آخره. وتقدر بعض المصادر التاريخية قتلي الرومان بمائة ألف قتيل. وكانت الهزيمة مروعة للدولة الرومانية فقد أهلكت كل حامايات الرومان بالشام وشمال الأناضول, وقد أيقن الإمبراطور هرقل- المريض- بأن الشام سيسقط لا محاله فقال جملته الشهيرة "" السلام عليك يا سورية يا ولايتي العزيزة سلام لا لقاء بعده,لا يدخلك روماني بعد اليوم إلا خائفا "". وقد صدقت مقولة هرقل فبعد المعركة واصل المسلمون تقدمهم حتي تم لهم فتح كل بلاد الشام ثم إنحدروا جنوبا صوب مصر ولم تعجزهم الحامية الرومانية المرابطة هناك فتم لهم فتح مصر مصداقا لنبؤة الرسول عليه الصلاة والسلام.أما المقارنة بين اليرموك ومؤتة فهي مقارنة ظالمة لصالح اليرموك. فمؤتة كانت عبارة عن مناوشات صغيرة بين المسلمين والروم ولم تسفر عن نتائج عملية علي الأرض. أما اليرموك فقد ترتب عليها نتئاج هامة كما أسلفت,  ويكفي أن أقول لك أنه لو قدر للرومان هزيمة المسلمين في اليرموك, لواصلوا بالتأكيد مطاردة فلول المسلمين حتي الحجاز بل ولربما غزوا مكة والمدينة ولقضوا علي الإسلام في عقر داره ولكن هذا لم يحدث ولله الحمد.

ليست هناك تعليقات: