الجمعة، 27 فبراير 2009

أسباب تخلف العالم الاسلامي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد

تعرض العالم الإسلامي فيما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد لنكسة حضارية كبيرة. فقد ساد التخلف والجهل في العالم الإسلامي في الوقت الذي استيقظت فيه أوروبا من سباتها العميق وبدأت تأخذ بأسباب الحضارة , بعد أن بدأت تتحلص من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية علي العلم والعلماء.
وكان لهذه النكسة الحضارية إرهاصات ومقدمات بدأت في الظهور منذ القرن الثالث عشر الميلادي, ففي ذلك العصر تعرض العالم الإسلامي لهجمات الصليبيين وكانت الحملات الصليبية علي بلاد الشام ومصر متلاحقة ومهددة لوجود الأسرات الحاكمة في تلك البلاد فسخر سلاطين بنو زنكي وبنو أيوب كل مقدرات الدولة في سبيل طرد الصليبيين الفرنج من فلسطين والساحل السوري واستعانوا بعلماء الدين كوسيلة لبث روح الجهاد والمقاومة في نفوس عامة المسلمين حينئذا. وقد كان صلاح الدين سلطان مصر والشام زاهدا ومستنيرا يأخذ بالعلوم المختلفة و كان رغم إنتماءه الكردي عربي الهوي والثقافة. وقد تحقق لصلاح الدين فتح بيت المقدس وأغلب الساحل واستطاع صد حملة ريتشارد قلب الأسد. وقد دب الضعف في الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين وتصارع علي حكمها أبناءه وأشقاءه. وأنشغلت جيوش المسلمين بمقاتلة بعضها بعضا ,وفي أثناء ذلك يضرب الجفاف بيد من حديد علي أرض وادي النيل فتصاب مصر بالمجاعة ويهلك ثلث سكان البلاد ويتمزق سكان مصر شر ممزق ويهجرون مصر إلي المغرب والحجاز علي حد قول العلامة الرحالة الطبيب عبد اللطيف البغدادي.
 
وفي الوقت الذي قنعت فيه أوروبا بعبث إرسال جيوش إلي المشرق وبإستحالة استرداد بيت المقدس دون احتلال مصر والشام, بدأ المغول حملتهم علي العالم  الإسلامي وكانت الدولة الخوارزمية هدفهم الأول وذلك سنة  1219م , وكان استهتار المغول بالدماء شنيعا تقشعر له الأبدان, فلم يراعوا ضعف طفلا أو شيخا أو أمرأة, ودمر إقليمي فارس وخراسان تدمير كاملا
وقتل في تلك الأحداث ملايين من المسلمين ومحيت ثقافة وآداب تلك البلاد. حتي العراق مقر الخلافة والذي ظل بعيدا عن حروب الفرنج في الغرب وحروب المغول في الشرق دفع الثمن غاليا عندما أجتاحته جيوش هولاكو سنة 1258 وكان استهتار هولاكو بالنفوس بالغا فأصدر أوامره لجنوده باستباحة بغداد فدمرت المدينة وهدمت المساجد ونهب الجنود مكتبة دار الحكمة العريقة وألقوا كتبها في نهر دجلة ثم احرقوها.وقتلوا كل من وجوده في المدينة عدا من احتبأ في المزابل مواقد الحمامات وبعد 40 يوما من المذابح نودي بالأمان وقدر عدد القتلي ببغداد والبصرة بأكثر من نصف مليون عراقي.ونتج عن ذلك التدمير أن عدمت كثير من الحرف والصناعات بالعراق وهجرها العلماء والأدباء إلي الشام ومصر حاملين معهم التراث الباقي من مكتبات العراق المدمرة.

 

ويعتبر سقوط بغداد بداية عهد مظلم ساد العالم الإسلامي طوال 6 قرون قادمة.واتسم ذلك العهد بغياب الروح الابتكارية والتمسك بالنصوص وتحريم العلوم العقلية والاهتمام بشرح كتب الأقدمين وقد تسربت روح الجمود والتخلف إلي الشعر والأدب بحيث غلب البديع علي معني الشعر وكذلك الحال في النثر فصار كلام لغة الأدب متكلفا مثقلا بالبديع .
ولو استعرضنا أوضاع العالم الإسلام في القرن ال15,16 للميلاد سنجدها علي الشكل التالي:
ففي الشام ومصر وبرقة والحجاز كانت الدولة المملوكية التي اصيبت بضعف شديد بسبب تدهور الحالة الاقتصادية بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح والذي أدي بدوره إلي تحول التجارة العالمية من مصر إلي سواحل أفريقيا الجنوبية,وقد أدي تدهور الحالة الاقتصادية الي ركود الحياة العلمية في مصر,كما أدي دعم السلاطين المماليك للحركات الصوفية والتصوف عموما إلي انصراف الناس عن التدين العقلاني وإيمانهم العميق بالخرافات وكرامات الأولياء,واقتصر التعليم في المدارس علي التراث المنقول, وأغفل تدريس العلوم والرياضيات وحرم تدريس الفلسفة.
اما في غرب العالم الاسلامي ونقصد به المغرب العربي والاندلس,فبعد انهيار دولة الموحدين القوية قامت أسرات ضعيفة تولت حكم الجزائر وتونس والمغرب,وقد أدي الصراع بين هذه الأسرات الناشئة إلي خمود الحركة العلمية والثقافية ,أما الأندلس فقد كانت تلفظ أنفساها الأخيرة بعد استيلاء القشتاليين والأرجونيي لأغلب القواعد الأندلسية الكبري فأنحصرت رقعة الأندلس في ممكلة غرناطة الصغيرة ,وتعتبر الاندلس هي الاستثناء الوحيد فعلي الرغم من هزائم مملكة غرناطة أمام الاسبان إلا إن الحركة العلمية والادبية لم تتوقف ربما يرجع ذلك الي تشجيع سلاطين بنو الأحمر للعلم والعلماء.اما الشام والعراق, فالشام كما ذكرنا كان تحت سيطرة الدولة المملوكية وقد أدي الغزو المغولي للشام في عهد تيمورلنك إلي تدمير جيوش المغول لمدينتي دمشق وحلب تدميرا كاملا وقد دفع المماليك الثمن باهظا من اجل إعادة بناء المدن المدمرة.

أما العراق فبعد سقوط الدولة العباسية سنة 1258 علي يد جيوش المغول بقيادة هولاكو وتدمير بغداد تدمير شاملا لم يقم له قائمة بعد ذلك وفقدت بغداد مكانتها كعاصمة لخلافة المسلمين وأصبحت مجرد ولاية من ولايات المغول غير ذات أهمية.
أقام هولاكو دولة مستقلة في العراق وفارس عرفت بأسم الدولة الالخانية, وقد تعاقب علي حكمها عدد من السلاطين الوثنيين حتي أعلن السلطان محمد غازي اسلامه فكان اول من اظهر الاسلام من ملوك المغول,وعلي الرغم من محاولة سلاطين الايلخانيين تعمير العراق الا إن التدمير والخراب كان شديدا لدرجة ان أحياء كاملة في بغداد لم تعمر ولم يتم بناءها من جديد,وبعد سقوط الدولة الإلخانية تعاقب علي حكم العراق عدة اسر تركمانية وقد ساد العراق في عهودهم ركود اقتصادي وعلمي وأدبي حتي أن بغداد في القرن الخامس عشر الميلادي كان تعدادها 50 ألف نسمة وكان قد بلغ تعدادها زمن الدولة العباسية قرابة المليون. وقد لقت نصيبها من الدمار والخراب للمرة الثانية علي يد الأمير تيمورلنك سنة1401 م.
أما إيران (فارس) فقد أضحت بعد سقوط الدولة الإلخانية الكبري عبارة عن إمارات متفرقة يحكمها زعماء القبائل التركمانية. أما العثمانيون فقد إنشغلوا بمشاريعهم الخاصة المتمثلة في توحيد الأناضول تحت حكمهم بالتزامن مع غزو الدويلات الأوربية المسيحية في شرق أوروبا,وقد أدي فتح القسطنطينية إلي زيادة هيبة الدولة العثمانية في العالم الاسلامي وأثارت الرعب في قلوب الممالك الأوربية,وعلي الرغم من قوة الدولة العثمانية عسكريا -فقد كانت من أوائل الدول التي قامت بتطوير سلاح المدفعية والاهتمام به حتي إن فرنسا كانت تشتري السلاح من الدولة العثمانية- إلا إن العثمانيين لم يهتموا بالعلوم الحديثة فقد افتقرت دولتهم للجانب الحضاري واعتمدت بشكل رئيسي علي القوة العسكرية.

اما عن اسباب تقدم الدول الاوربية في القرن 15م, فيرجع ذلك الي قيام ما يسمي بعصر النهضة والذي بدأ في القرن 13م في فلورنسا. وفيه قامت حركة ترجمة واسعة في أوروبا حيث قام الأوربيون في الغرب بترجمة كل أعمال المسلمين في كافة المجالات من طب وهندسة وفلك ورياضيات, وكان من اسباب هذه الحركة الثقافية اتصال الاوربيين بالعرب في الاندلس والذين قاموا بتأسيس حضارة عظيمة هناك,كما أن مكوث الصليبيون في الشام لفترة قرنين من الزمان واتصالهم بالعرب أدي الي اقتباسهم الكثير من مظاهر التحضر عند المسلمين,كما أدي تأسيس الجامعات في أوروبا الي ازدهار الحركة العلمية هناك خاصة في جامعة باريس بفرنسا,وجامعة سلطبرة بأسبانيا,وقد أدت كل هذه العومل الي نهضة علمية في كل المجالات ولم يعد الأوربيون يكتفون بالترجمة فحسب بل ظهر علماء عظام اضافوا الي تراث العرب الحضاري,وقد أدت هذه النهضة العلمية الي بدء عصر الاكتشافات الجغرافية والتي تكللت بأكتشاف امريكا سنة 1492 وكتشاف رأس الرجاء الصالح كل هذه العوامل التي شكلت نواة الحضارى الغربية الحديثة وبداية عصر الاستعمار الغربي,وقد صاحب هذه النهضة ذبول الحضارة العربية وضعف المسلمون سياسا وتفككهم وعدم وجود دولة خلافة اسلامية تجمع شمل المسلمين.

الخميس، 26 فبراير 2009

عبقرية خالد بن الوليد في مؤتة واليرموك



في صيف السنة الثامنة للهجرة دخل خالد بن الوليد المدينة معلنا إسلامه وبادئا صفحة جديدة في حياته التي اتسمت بمعاداة الإسلام طوال فترة البعثة النبوية.وكان النبي صلي الله عليه وسلم أشد الناس معرفة بمعادن أصحابه وسماتهم. فيقدم بعضهم في قيادة الجند والعسكر وحمل الرايات ويرسل البعض الآخر  في عقد العهود والمواثيق أو نشر الدعوة الإسلامية كما هو الحال مع معاذ بن جبل الذي أرسله النبي إلي اليمن ليعلم القوم هناك تعاليم الإسلام.

وقد كان خالد أحد المسلمين المتأخرين الذين أولاهم النبي –صلي الله عليه وسلم- ثقته وأرسله قائدا للعديد من البعوث والسرايا وذلك لعلمه بقدرته العسكرية الفذة والتي ظهرت جليا في غزوة أحد قبل ذلك بخمس سنوات فقد كان خالد هو السبب الرئيس لإنتصار قريش وقتها.
وقد بدأت جهود خالد في خدمة الإسلام وتوسيع حدود الدولة الإسلامية في المدينة كجنديا عاديا في جيش النبي المبتعث لقتال الغساسنة وحلفاؤهم الروم الشرقيين انتقاما لقتل شرحبيل بن عمرو الغساني لحامل كتاب رسول الله.
ودون الخوض في تفاصيل معركة مؤتة نستطيع القول بأن جيش الغساسنة وحلفاءهم الرومان لم يكن ليبلغ 100,000 جندي كما تشير الرواية الإسلامية وذلك لسبب بسيط وهو أن جيش الدولة الرومانية الشرقية في القرن السابع الميلادي كان عدده  قريبا من هذا الرقم لذا فمن غير المعقول أن ترسل الدولة الرومانية كل جيوشها لقتال مجموعة صغيرة من القوات العربية المغيرة علي حدودها الجنوبية .بالإضافة إلي صعوبة تموين ذلك الجيش ووعورة ساحة القتال وضيق مساحتها التي لا تستوعب تلك الأعداد الضخمة من المقاتلين.
لذا فأرجح الظن -في رأيي- أن عدد جيوش الغساسنة والرومان كان قريبا من ال20 ألف مقاتل أغلبهم من القبائل الغسانية العربية بالإضافة إلي بعض حاميات الرومان في الشام والتي اشتركت في المعركة إلي جانب الغساسنة. وهذا لا يقلل بالطبع من عبقرية خالد وحسن إداراته للمعركة بشكل أنقذ جيش المسلمين من هزيمة مروعة أشبه ما تكون بمذبحة كاد أن يفني فيها الجيش عن آخره. حتي لو كان قوام الجيش الغساني-الروماني 20 ألفا كما أسلفت فهذا يعني أن كل جنديا مسلما يقاتل 6 جنود رومان وهي نسبة ضخمة ويحسب لخالد أنه تجنب الإشتباك المباشر مع  جيش الروم  وأكتفي بمناوشات صغيرة ثم انسحب في الليل

أما أعظم إنتصارات خالد بن الوليد فهي معركة اليرموك ضد الإمبراطورية الرومانية الشرقية سنة   636م,  فقد نجح خالد في هزيمة جيش الرومان المتفوق من حيث العدد والعدة,ويكفي أن تعلم أن هرقل حشد في تلك المعركة -علي عكس المعارك السابقة- خيرة جنود الدولة الرومانية ,فقد شارك في المعركة جنود الأناضول والقسطنطينية وقبائل السلاف وغيرها من القبائل البربرية المتمرسة علي القتال والتي تقطن علي حدود الدولة , وناهيك عن جيوش بيزنطة المحترفة, اما أبرز المشاركين في المعركة فهو ماهان قائد جيوش الأرمن , وفرسان الأرمن كانوا من أكثر فرسان العالم تدريعا في ذلك الزمان فقد كانت الدروع تغطي الفارس كلية بحيث لا تري إلا عينيه,وكان هجومهم علي المشاه كاسحا. وقد حشد هرقل كل هذه الجموع الضخمة من سائر أنحاء إمبراطوريته الفسيحة كحل أخير لوقف تقدم المسلمين وهو رهان سيدفع ثمنه باهظا فيما بعد.


وقد استطاع خالد بن الوليد في اليرموك إبطال كل مفاتيح الجيش الروماني. فلقد عطلت رماة المسلمين تقدم الفرسان الأرمن وحالت دون إكتساحهم للمشاة. كما نجح نظام الكراديس لحد كبير في إحتواء الجموع رومانية والحيلولة دون تطويقهم للجيش الإسلامي.أما مفتاح النصر فهو خالد بن الوليد نفسه فقد هاجم خالد وفرسانه صميم الجيش الروماني وترتب علي ذلك مقتل ماهان قائد جيوش الارمن وغيرهم من قادة جيوش الروم وقد أشاع ذلك جوا من الهلع والرعب والفوضي في جيوش الروم. فهان علي المسلمين أمرهم فأمعنوا فيهم قتلا وأسرا حتي فني الجيش الروماني عن آخره. وتقدر بعض المصادر التاريخية قتلي الرومان بمائة ألف قتيل. وكانت الهزيمة مروعة للدولة الرومانية فقد أهلكت كل حامايات الرومان بالشام وشمال الأناضول, وقد أيقن الإمبراطور هرقل- المريض- بأن الشام سيسقط لا محاله فقال جملته الشهيرة "" السلام عليك يا سورية يا ولايتي العزيزة سلام لا لقاء بعده,لا يدخلك روماني بعد اليوم إلا خائفا "". وقد صدقت مقولة هرقل فبعد المعركة واصل المسلمون تقدمهم حتي تم لهم فتح كل بلاد الشام ثم إنحدروا جنوبا صوب مصر ولم تعجزهم الحامية الرومانية المرابطة هناك فتم لهم فتح مصر مصداقا لنبؤة الرسول عليه الصلاة والسلام.أما المقارنة بين اليرموك ومؤتة فهي مقارنة ظالمة لصالح اليرموك. فمؤتة كانت عبارة عن مناوشات صغيرة بين المسلمين والروم ولم تسفر عن نتائج عملية علي الأرض. أما اليرموك فقد ترتب عليها نتئاج هامة كما أسلفت,  ويكفي أن أقول لك أنه لو قدر للرومان هزيمة المسلمين في اليرموك, لواصلوا بالتأكيد مطاردة فلول المسلمين حتي الحجاز بل ولربما غزوا مكة والمدينة ولقضوا علي الإسلام في عقر داره ولكن هذا لم يحدث ولله الحمد.